الخميس , مارس 26 2026
الرئيسية / أخبار / وقف الحرب لم يعد قرارًا سودانيًا..!

وقف الحرب لم يعد قرارًا سودانيًا..!

“الشعب السوداني لن يقبل بتدمير جيشه ومصادرة مكاسبه وضياع سيادته”
▪بقلم/ فيصل مكرم *
طغى مشهدُ الأحداث الدموية في السودان على كل الأحداث في عالمنا العربي، ويحظى باهتمامٍ على مستوى الإعلام والفعاليات السياسية والدبلوماسية الدولية والأممية بحيث لم يسبق للسودان أن نال هذا الكم من التغطية الإعلامية والمواقف السياسية لأن هناك حربًا قد اندلعت بين القوات المُسلحة الوطنية (الجيش السوداني) والمُكون شبه العسكري (قوات الدعم السريع) الذي ينطبق عليه القول: أعلمُه الرماية كل يوم.. ولما استدَّ ساعده رَماني، هذه الحرب تدور رحاها داخل العاصمة الخرطوم بمدنها المُترامية الأطراف وأحيائها المُكتظة بملايين الساكنين بأسواقها وأزقتها ومُستشفياتها ومدارسها وجامعاتها وفنادقها وخدماتها ومؤسساتها الأمنية والمدنية التي يعتمد عليها سكانها الذين يتجاوز عددهم ستة ملايين إنسان، قلبت المواجهات حياتهم رأسًا على عقب في خلال ساعات من انطلاق أول رصاصة، بل وبات السودان بأكمله مُهددًا بحرب أهلية وتدخلات إقليمية ودولية كلما طالت الحرب يومًا آخر، خاصة أن فعاليات الحرب اليومية تضع قوات الدعم السريع في خانة موازية للجيش، والعناوين تتحدث عن حرب الجنرالين من أجل الثروة والسلطة، وكلا المتحاربين اليوم أعجز من أن ينهياها بالتوافق، وربما لم يعد القرار بيد الجنرالين البرهان وحميدتي أو بيد السودانيين.

▪أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المُتحدة قال إن ما حدث في السودان تَمّ على حين غرة ولم نكن نحن ولا أي شخص في العالم يتوقع اندلاع المواجهات إلى ما قبل اندلاعها بيوم واحد، وهذا الكلام يبدو غريبًا على اعتبار أن مبعوثه الأممي كان متواجدًا في الخرطوم ويُدير المفاوضات السياسية بين كل الأطراف العسكرية والمدنية بهدف نقل السلطة وتحييد الجيش ودمج قوات حميدتي في المؤسسة العسكرية النظامية، وقال غوتيريش في حديث لقناة العربية الجمعة إن ثمة أطرافًا داخلية وخارجية لعبت دورًا في اندلاع المواجهات العسكرية، ما يعني أن المُنظمة الأممية كانت آخر من يعلم، وأن ثمة أطرافًا دولية وإقليمية هي التي تُدير التطورات في السودان وأصبح القرار بيدها لا بيد المُتحاربين إذا تأخر حسم الجيش لهذا الصراع.

▪والحاصل أن المشهد السوداني اليوم لم يكن ليصبح عنيفًا ودمويًا وكارثيًا لولا أخطاء المؤسسة العسكرية وأطماع بعض جنرالاتها في السلطة والثروة، وهو ما مكن مِن استهداف هذه المؤسسة حين ولّت قوات حميدتي مسؤولية حماية العاصمة ومُنشآت الدولة ومواقعها الحساسة من باب الترضية وكسب الولاء ثم جعلت من حميدتي شريكًا لها في مُناصرة الشعب السوداني في ثورة الإطاحة بالبشير ونظامه الذي لم ينقذ السودان لثلاثة عقود من أزماته وإنما زادها تعقيدًا واتساعًا، وخلال أربع سنوات تمكن حميدتي من نشر قواته في ولايات السودان، وأقام مُعسكرات في العاصمة وأحيائها، وتجنيد المزيد من الجنجويد برواتب تفوق رواتب الجيش، وأقام قواعد لقواته في ولاية دارفور لتكون خيارًا أخيرًا انفصاليًا له، كما وسّع من نشاطه التجاري وشبكة مصالحه في الداخل ونسج علاقات مع دول إقليمية ومنها إسرائيل، وبالتالي قدم حميدتي نفسه وقواته لقوى الحرية والتغيير المدنية كحامٍ للثورة والضامن لنقل السلطة إلى القوى المدنية التي بدورها كانت مُستعدة لمنح حميدتي وقواته شرعية على شرعية الجيش أو موازية لها في أي اتفاق إطاري لنقل السلطة ليستيقظ الجيش على سيناريو قد يجعل منه تحت إمرة حميدتي ودعمه السريع.

▪لا يستقيم حال أي بلد ولا يصلح شأنه وفيه قوات مُسلحة عديدة موازية أو مُضادة لجيشه الوطني، وحين وجد حميدتي قادة الجيش في حالة ارتباك لجهة التعاطي مع ملف انتقال السلطة للمدنيين، وإعادة ترتيب الجبهة الوطنية الداخلية بعد الإطاحة بالبشير حصل على المساحة الكافية للحركة والمُناورة وتقديم قواته لمن يجد معه المصلحة، كما أن حميدتي أجاد التحدث بلسان القوى المدنية كواحد منهم، ولغة المال كرجل يميل للتجارة، ولغة المصالح ففتح لنفسه خطوطًا ساخنة مع دول إقليمية ومنها إسرائيل دون الالتفات لمدى الأضرار التي قد يلحقها بوطنه، لكن حميدتي لم يفصح عن أهم أهدافه وكل همه الوصول إلى كرسي حاكم السودان ولو على أطلال جيش السودان ومُقدراته وبرجماتية أحزابه وقلة حيلة تياراته المدنية أو على حساب سيادة بلده أو الأمن القومي العربي، المُهم بالنسبة له هو القفز إلى كرسي البشير الذي خدمه وأطاع عصبة حكمه، حينها سيكون السودان قد سلم مصيره لمجهول وهو الذي رزح لثلاثة عقود تحت حكم البشير وجماعته وتكبد شعبه منهما كل أشكال التسلط والفساد والظلم، ما جعله يثور وينشد الحرية والعدالة، ولا أعتقد أن الشعب السوداني سيقبل بتدمير جيشه ومُصادرة مكاسبه وضياع سيادته ليكسب جنرالًا مُستعدًا للحرب حتى آخر مواطن سوداني قد يصفق له زعيمًا، أو يبصق في وجه الزمن الذي أبقاه حيًا ليشهد ذلك اليوم.

*نقلا عن جريدة الراية
fmukaram@gmail.com
@fmukaram تويتر

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الفوضى قانون يحكم العالم!

طه العامري* هي الفوضى إذاً التي تحكم العالم وتتحكم بمصيره، لم يعد الأمر يقتصر على …