خالد شـحام*
ثمة تقاطعات فكرية عديدة تطرحها حرب الأيام الخمسة المصغرة التي شنها العدو الصهيوني على المقاومة الفلسطينية في غزة ، تقاطعات عديدة تتضمن حسابات وتصفيات و أسئلة ذات كتلة حرجة وغايات بعيدة وأخرى غريبة الدار ، كل هذه تتلبسها وتغلفها مبررات سطحية ودرامية موضوعة للدوران والالتهاء حولها من مثل حكومة اسرائيلية مأزومة داخليا – تركيبة حكومية متشددة ودموية وتحريضات حاخامية وشخصيات تهريجية كرتونية – سياسات تصفية وأعمال عدائية تقابلها مضادات طبيعية من المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني .
هنالك شبكة خيوط ممتدة بعيدة وقريبة تقع هذه الحرب المصغرة في وسطها كي تربط قطع الأحجيات وتشبك عواصم المؤامرة معا ، نحن هنا لسنا بصدد علبة مفاجآت عثرنا في قاعها على قرار عسكري صهيوني لتصفية المقاومة وتحجيم حضورها وقوتها ثم إكمال نفس السيناريو كما كل مرة بِرَد المقاومة ثم تدخل ( الوسيط ) المصري ثم الحصول على تهدأة جديدة ويتنفس الجميع الصعداء ونعود جميعا أسرة سعيدة هادئة ومكتفية بإنجازات السلام الصغير الذي تحقق ، هذه العلبة موضوع فيها بطاقة مكتوب عليها اسم ايران بخط عريض ، فيها أيضا ما يجري مع سوريا وما يسمى انجاز الجامعة العربية ، فيها أيضا الاتفاق السعودي – الايراني ، والسعودي – اليمني ، الملهاة السودانية والحرب الخاسرة الداخلية ، فيها قرار أمريكي ورؤية أمريكية متصلة بما يجري في أوكرانيا وترهيب الشرق الأوسط في وسط الانشغال بروسيا والصين ، في داخل هذه العلبة لاعبون كثر يرتدون طاقية الإخفاء الاسرائيلية ذات القطر الصغير و تجمعهم مصالح قصيرة وطويلة وحسابات روليت آنية و ألعاب بوكر مؤجلة ، في هذه العلبة أيضا هنالك كتل ثقيلة منفصلة ومفككة من شعوب مذعورة عديمة الوزن في كوكب الأحداث تفر من مصيرها نحو الخبز وتفر من جلاديها بالإقبال على الركوع والقبول بنظرية الستر وسط سُعار العيش ، في هذه العلبة أيضا هنالك أسئلة ذات أسلاك موصولة إذا عبثت بها او حاولت فصلها عن بعضها البعض تنفجر في وجهنا جميعا مع الكثير من الشرر والدخان .
ليس أخطر المشاهد التي عايشانها في تلك الأيام الخمس هو القصف واغتيال الشهداء والأبرياء لكن اخطرها هو ما لم تظهره الشاشات وما اضمره الغيب الذي لا يراه أحد والذي لا يريد أن يراه أحد ، ما يخيف في زماننا هذا أشياء كثيرة أساسها هو غياب الوفاء الحقيقي واستبداله بمُحلِّيات صناعية ، غياب الوفاء للجذور واستبدال ذلك بولاء يمتلك خاصية الذكاء لصناعي لزمن صناعي وأحداث متعلقة بزمن الصغار ولهذا السبب تخفق كل معاركنا الكرتونية ونظفر في سباقات الأبل فقط ، لقد حدث استبدال عظيم لكل القيم في معطيات المعركة المعيشية الكبرى التي يعيشها مواطن العصر من العرب ، هنالك انقلابات عظمى متغلغلة تعاني منها الكاريزما العربية القومية والاسلامية والمسيحية وكل الأطياف مهما اختلفت التسمية والتصنيف ، انقلابات في الفهم وفي التحليل وفي الرؤية وحتى في العواطف ومنبعها وشدتها ، إنقلابات في الأولويات وتحول الرحلة النضالية إلى معرشات بطيخ يبيع كل واحد منها بشكل مستقل عن الاخر لأن برنامج التغريب الذي أُوكِل به الحكم العربي الرسمي نجح في خلق الجيل المنتظر المشلح من كل فيتامينات القوة والمناعة والفهم الصحيح لما نريده وما الذي نعيش لأجله ، نحن أمام لوحة سريالية خيالية للحال العربي وللشعوب العربية أيضا ، لو جاء اهل الكهف واطلعوا على حالنا لفروا وإمتلأ القلب منا رعبا ، نحن الان وما نعايشه هو الجيل الرابع أو الخامس من الخيانة الصناعية العربية والتي أنتجت الجيل الرابع أو الخامس من الشعوب التي يعشعش فيها الضعف الذي كان منتظرا ومزروعا قبل سنوات عديدة ، لدينا الان المرحلة المناسبة من الرؤى الأمريكية التي عنوانها البسيط ( الشعوب المهذبة ذاتيا ) أو بالاعتراف الخلفي المستعبدة ذاتيا ، لدينا أيضا ظاهرة المثلية السياسية التي شُرعت وفٌرِضت أمريكيا قبل المثلية الجنسية وتعتبر أشد فتكا وخطرا منها والتي يمارسها الجيل الجديد من الحكم العربي ، المثلية السياسية التي تعني هنا أن قرارا أمريكيا واحدا يجامع كل الارادات والقرارات الأوروبية و العربية التي تخرج في العلن والباطن ولذلك نجدها جميعا قرارات عقيمة وحيدة الجنس تحمل نفس التوقيع مهما تجلت عناوينها البراقة من مثل إحلال السلام – البحث عن التهدأة – ايقاف العنف – الحرص على حياة المدنيين من الطرفين .
ما حدث في غزة وفي داخلها ليس شيئا غريبا ولا عجيبا ولا يتعدى الحقيقة التي يراها البعض بالشقلوب ، بالنسبة للعدو الصهيوني فقد ظن بأنه حقق غايتين : بعث رسائله الأمريكية و الاطاحة بمن يعتبرهم خطرا ويعتبرهم بمثابة المرابط في الجسد الفلسطيني التي تسمح بتماسكه وبسقوطهم فإن هذا الجسد يتفكك وتنهار عقيدته وايمانه بما يقاتل لأجله ، لا حاجة هنا للدخول في جدلية الربح او الخسارة ولكن التاريخ يقول حكمة واحدة ويدير وجهه : إن الشهداء وُجِدوا لكي يرحلوا وليس لكي يُخلدوا وقادة الجهاد كانوا يتسابقون إلى هذه المنزلة فطريا وتلقائيا ، وطريق الحرية تحتاج منارات ومرشدات من الدماء الزكية التي تنير قطعا من الليل ، لقد اغتال هذا العدو قافلة طويلة من أشد مقاتلي فلسطين وفاءا وحبا ورجولة ولكن ذلك لم يكن إلا ايذانا لنساء فلسطين كي تأتين بمن هم أشــد قوة وشراسة وأكثر حبا لهذه الآرض وأهلها وقضيتها الخالدة ولهذا السبب فشل العدو وأخفقت كل خططه التي راهن فيها على سقوط إراداة الشعب الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية الشريفة .
في ذات الوقت الذي استوحد الشعب الفلسطيني وتوحشت الدروب حوله تأتي الأسئلة التي لها القدرة على تنغيص الخاطر : أين مفكرو الأمة وكتابها وصحافيوها ورجال الدين والمرشدون والأمة تستصرخ والأحرار يطاردون ؟ أين تضامن الشعوب العربية ؟ كم يجب أن يرتفع عداد الشهداء حتى يبدأ المواطن العربي بالشعور بأخيه العربي ؟ لقد رفعنا آمالنا من حسابات النظام العربي الرسمي ويأسنا من أية محاولة للرجاء في الاتيان بحركة أو مبادرة أو صوت رافض لما يجري ولو على استحياء ، هل من المعقول أن كل الانظمة العربية تحولت إلى حمائم وتريد الضغط على الفلسطينين لإحقاق السلام الاسرائيلي ؟ بمن نستصرخ ونستغيث ؟ أين أنت يا عبد الناصر ؟ وهل كنت ستقبل بان تتحول إلى بطريرك التهدأة بين الضحية والجلاد لكي تمنحه الأمان وتغفر بكل هذا الكم من الأرواح العربية ؟ أين أنت يا صدام حسين وهل كان سكود لتقر له عينا ؟ أين انت يا صلاح الدين وهل كانت خيلك الأصيلة لتقبل بأن يركبها مزدوجو الهوية وأصحاب الرَّس ؟
كنت رصدت في ضميري أن أستطلع الغد وعقب حدوث الجريمة في غزة في بث حي ومباشر على الهواء ردود أفعال المنظمات العالمية والدولية والعربية الإنسانية التي أشبعتنا بتحضرها وإنسانيتها ودفاعها المستميت عن قضايا كثيرة أشعرونا فيها بأنهم سادة الأخلاق والرحمة والإنسانية ، كلي ثقة بأن الصمت هنا هو الرهان الفائز لأن الجريمة اسرائيلية صهيونية وعندما تكون كذلك فلا قدرة لأحد على تفسير هذا الصمت العالمي والكتمان وابتلاع المأساة سوى أن هذا الزمان اسرائيلي وهذا العالم الاعور لا يرى سوى بعيون صهيونية .
في ختام هذه الكلمات المشفرة فإذا أراد أحدكم أن يفهم حقيقة الكيان الصهيوني فيمكنه إجراء اللعبة الفيزيائية الآتية : أحضر عشرين فنجانا سيراميكا من تلك المخصصة للشاي مع الصحون الدائرية المرفقة معها ، إذا كنت مبدعا في إحداث الأتزان فالمطلوب منك تسلية نفسك وتسلية من حولك بوضع هذه الفناجين مع صحونها فوق بعضها البعض لأعلى ارتفاع ممكن والمشي على الأرض ويدك تحمل هذا الصف المرتفع من الفناجين والصحون بشرط ألا تقع أو تنكسر !
الكيان الصهيوني او ما يعرف بدولة (اسرائيل ) هي كذلك بالضبط والتمام ، إنها تجميعة مستحيلة الاتزان من مكونات الدولة التي تبدو في ظاهرها القوة والمنعة والثبات والاستقرار ……..إنها كيان عديم الاستقرار لأنه ليس شرعيا ولا يمتلك الحق التاريخي ولا الديني ولا الحضاري ولا الأخلاقي ولا يمتلك المبرر الوجودي أصلا ، هذا الكيان الركيك يتطلب وجوده دعما غير محدود من أعتى الكيانات الاستعمارية في العالم ، لولا الأسلحة الغربية والأمريكية لما أمكن لهذا الكيان أن يدوم يوما واحدا ، لولا المؤامرات والألاعيب الاقتصادية التدميرية للمحيط العربي لما كان هنالك اقتصاد ولا بيع ولا شراء داخل هذا الكيان ، العبارة الدائمة التي تسمعونها دائما بأن اسرائيل اوهن من بيت العنكبوت هي عبارة صحيحة تماما ويحملها كل مؤمن بقضية فلسطين مثل عقيدة في روحه .
عندما تتعقد معادلات الطبيعة وتكثر المستلزمات التي يتطلبها الأمر لصمود شكل طفيلي من اشكال الحياة ، يصبح هدا المتطفل هشـا جدا وقابلا للتدهور مع اي اضطراب في الوضع الشمولي ، تقول نظرية الانتروبيا الكونية الفلسفية بأن سلوك الأحداث والطاقة في هذا الكون يميل إلى فرض المزيد من الاضطراب في هكذا انظمة او نماذج محشورة قسرا كي تبدو طبيعية ، هذا هو تماما ما يحدث مع الكيان الصهيوني حيث تصبح الكلفة الكونية لبقاء هذا النموذج الفاسد من النظام المصطنع متجاوزة لسنن الخلق وعدالة الخالق ويتحول المستقبل بالتوازي الكمومي إلى مسألة تصفية حساب عسيرة جدا ذات معامل اضطراب فوقي مرتفع .
في ذات هذه المعادلات الفيزيائية الشفافة يقول التاريخ بأن النماذج العفوية والفطرية التي تتصرف وفقا لمعادلة واحدة بسيطة اسمها معادلة الحق الشرعي والتاريخي المنظور هي التي يُكتب لها البقاء بعد الطوفان الكبير أو بعد الضربة النيزكية العظمى ، هذا هو مصير المقاومة الفلسطينية والعربية وكل من سار ومشى على درب الحق والحرية والعدالة لكل الشعوب العربية ، الشعب الفلسطيني والعربي والمقاومة الفلسطينية هي التي ستبقى ودولة ( اسرائيل ) إلى زوال .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر