د. عبدالله الأشعل*
ينقسم تاريخ فلسطين من زاوية المشروع الصهيونى إلى قسمين:
القسم الأول ما قبل قيام إسرائيل منذ إعلان المشروع الصهيونى فى المؤتمر الصهيونى الأول فى أغسطس 1897 فى مدينة بازل السويسرية وأعتمد هذا المؤتمر كتاب هرتزل الدولة اليهودية وبالفعل بدأ تنفيذ المشروع الصهيونى بنهاية المؤتمر الصهيونى الخامس عام 1904 وتبنت بريطانيا المشروع حتى قبل تصريح بلفور ولذلك نعتبر أن محطات المشروع الصهيونى بدأت باتفاق سايكس بيكو فى 19 مايو 1916 وبعد ذلك صدر تصريح بلفور فى 2 نوفمبر 1917 وكانت المحطة الثالثة عندما أنعقد مؤتمر الصلح فى فرساى 1918 أصرت بريطانيا على ادخال نظام الانتداب حتى تشرف بشكل مباشر على استقبال الهجرات اليهودية إلى فلسطين وقمع الفلسطينيين ومنع مقاومتهم حتى امتلات فلسطين بالمستعمرات اليهودية حول القرى الفلسطينية .
وفى مؤتمر فرساى حاولت بريطانيا اقامة إسرائيل ولكن حال دون ذلك ثلاثة مشكلات:
الأولى: أن نسبة اليهود فى فلسطين كانت أقل من 1% أى أن هذه النسبة لا تصلح لاقامة دولة.
والثانية: أن اليهود لم يكونوا مدربين وليس لديهم أسلحة بينما كان الفلسطينييون يتربصون بهم.
الثالثة: أنه لم يكن هناك ضرورة لاقامة إسرائيل باعتبارها وكيلا حصريا عن الغرب فى المنطقة لأن بريطانيا وفرنسا ودول الحلفاء الذين أطلق عليهم فى الحرب العالمية الأولى دول الوسط هزموا ألمانيا وترتب على صلح فرساى ظهور هتلر والقومية الالمانية المتطرفة كما أن ميلشيات اليهود الثمانية أنتظمت فى الحرب العالمية الثانية ضمن الجيوش البريطانية.
والملاحظ أن كل المحطات الصهيونية كانت تترى دون مقاومة العرب وحتى عندما قامت ثورة القسام عام 1936 ساهم العرب فى احباطها وقبلوا المشاركة فى مؤتمر المائدة المستديرة فى لندن عام 1940 وقبلوا الهجرة اليهودية المقننة إلى فلسطين وكانت قبل ذلك تسلل يهودى إلى أراضى أجنبية ولم يلحظ العرب فى تصريح بلفور أن بريطانيا العظمى تعهدت لليهود بإقامة وطن قومى وهم أقلية فى فلسطين وكان ذلك تجسيدا مبكرا للمشروع الصهيونى الذى يقضى بتفريغ فلسطين من أهلها واحلال يهود العالم محلهم على أساس أن يهود العالم لايتجاوزون في الوقت الحاضر 15 مليونا هاجر منهم إلى فلسطين 8 مليون وعندما قامت إسرائيل ليلة 15 مايو 1940 سمى العرب هذه الواقعة بالنكبة والواقع أنها النكبة الصغرى لان تلك كانت البداية بينما الفلسطينيون ظنوا أن طردهم من بيوتهم مسألة مؤقتة لدرجة أن بعضهم احتفظ بمفاتيح بيته ظنا منه أنه يعود قريبا فلما فشل العرب فى صد العصابات الصهيونية وتدخل الغرب لكى يزيح الملك فاروق المعارض للمشروع الصهيونى واحلال من يقبلون بذلك كان واضحا أن المؤامرة على مصر واضعافها هو لصالح إسرائيل بينما كانت مصر دولة مركزية غنية حتى تحت الاتحلال البريطانى وظلت مصر حتى بالشعارات القومية تقاوم المشروع الصهيونى حتى انهارت عام 1967 وهذه مقدمة للنكبة الكبرى وكانت محسوبة فى سياق محطات المشروع الصهيونى ذلك أن أنور السادات بتقاربه مع إسرائيل وأمريكا وابرام اتفاقيات كامب دافيد والسلام قد مهد لضياع فلسطين .
وهذا العام عام 2023 يكون قد مر على قيام إسرائيل 75 عاما وقد لاحظنا أن إسرائيل وواشنطن يتجهون فى هذه المرحلة إلى استكمال المشروع الصهيونى وطرد الفلسطينيين من أرضهم وتهجيرهم إلى الدول المجاورة فى موجة ثالثة ونهائية حسب المشروع.
ولاشك أن إسرائيل الكبرى أكبر الاخطار على الامن القومى المصرى ولا يمكن المجادلة فى هذه المعادلة بأى حجة ولا بأى ظرف وإسرائيل نشأت خصيصا فى خاصرة مصر والمشروع نفسه يقضى بإفناء مصر وأدعوا المصريين إلى تدبر هذه المسيرة قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة من المشروع وليس التصدى لإسرائيل من جانب مصر مجاملة للفلسطينيين كما أنه ليس وفاءا من مصر للعروبة التى طلقها السادات وجرد مصر منها علي طريق اتاتورك بتبنيه العلمانية القومية علما بأن العروبة لازمة لحياة مصر وبقائها وهى الحاضنة الاصلية للوجود المصرى وربما أدرك عبدالناصر هذه الحقيقة بالشعارات وليس بالسياسات الفعلية الرشيدة .
والخلاصة أننا ننبه هذا العام بعد دراسة مسيرة المشروع الصهيونى إلى أن قيام إسرائيل عام 1948 كان نكبة صغرى وأن تقارب السادات مع إسرائيل كان مقدمة للنكبة الكبرى التى بدت نذرها هذا العام وأهم هذه النذر توحش إسرائيل وفجورها ضد المقاومة لأن هذه المقاومة ومعسكر المقاومة جميعا هو العقبة الكبرى فى سبيل بلوغ المشروع إلى نهايته ومحطته الأخيرة . ولذلك حذرت في مقال سابق من المؤامرة علي المقاومة بعد ان فشلت اسرائيل في محاولاتها ضد الرباعي المقاوم كما حاولت سحق المقاومة واستعداء السلطة عليها من خلال التنسيق الامني ضد المقاومة كما حاولت اسرائيل كسر سوريا وفصلها عن ايران مثلما تآمرت علي ايران بكل الطرق وكذلك نجحت اسرائيل وامريكا في دفع الجامعة العربية الي وصم المقاومة بالارهاب خدمة لاسرائيل وبدوافع مختلفة اهمها جلبا للرضي الامريكي وكذلك بسبب عداء الحكام لكل معارضة انطلاقا من وهم الحاكم بان المعارض له ولسياساته اساءة للوطن فالتنكيل بالمعارض قربي الي الوطن باعتبار ان الحاكم هو الوطني الاول.
*كاتب وديبلوماسي مصري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر