د. بسام روبين*
لا شك أن أجهزة الإستخبارات تتسارع فيما بينها كسباق التسلح حتى باتت هي من تقود العالم في هذا الزمان سواءا بطريقه مباشرة أو من وراء حجاب كما في الدول الديموقراطية ،لذلك نشأ ما يعرف بالدوله العميقة والتي تسيطر عليها أجهزة الإستخبارات ،وبات مؤكدا أن ضباط المخابرات هم الأشد ذكاءا على الساحات الدولية حيث يتم تأهيلهم وتدريبهم بعناية فائقة وتتوسع مداركهم من خلال إطلاعهم على خفايا الأمور وامتلاكهم لقواعد بيانات معلوماتية ضخمة تساعدهم على حسن التخطيط واتخاذ القرارات الصائبة بتفوق ملحوظ حتى على أصحاب الدرجات العلمية العليا ،وتتسابق الأجهزة الأمنية أيضا في التخطيط للعمليات ،وينكشف ضعفها أحيانا أثناء مراحل التنفيذ ،ويقال أن الخطه فاشلة إذا نجح الآخرون في إكتشاف أهدافها منذ الساعات الأولى لإعلانها ،فهنالك العديد من الخطط الإستخباراتية تم طرحها وكشف حقيقة أهدافها في مراحل مختلفة من التنفيذ وجرى تقييمها كتفجير برج التجارة العالمي وإنشاء وتسليح القاعدة وبعدها داعش ووباء كورونا ولقاحاته.
وها نحن نقف على عتبات أنجح وأذكى عملية إستخباراتية في العالم حيث بدأت وانتهت وحققت أهدافها دون وقوع أية خسائر تذكر ،ويعتبر الرئيس الروسي من جنرالات المخابرات الأذكياء والأقوياء ،ويصنف من المخلصين في صداقاتهم ومن الشديدين في عداواتهم فقد نجح في مواجهة العالم الغربي لفرض واقع جديد تصبح بموجبه روسيا والصين قطبا رئيسيا في إدارة العالم إلى جانب أمريكا ،وقد يتخذ البريكسيون وبدعم وتخطيط روسي قرارات إقتصادية هامة خلال شهر أكتوبر لإنزال الدولار عن عرشه الذي بدأ يهتز ،وما قامت به فاغنر مؤخراً يحتاج إلى تلسكوبات إستخباراتية متقدمة لرصده ،حيث أخفقت بعض الأجهزة المستهدفة في قراءة الخطوط الممحية لهذه العملية ويبدو أن أجهزة الأمن الروسية وبعد عام ونصف من القتال في أوكرانيا أصبحت بحاجة ماسة لتحديد أعداء الداخل والخارج لها لإستكمال تنفيذ خطتها الإستراتيجية في مواجهة الناتو ،فبدأت ومنذ أشهر بالإعداد والتحضير لتنفيذ هذه العملية وذلك بإظهار خروج قائد فاغنر عن السلوك العسكري المنضبط بتعرضه لوزير الدفاع ولقائد الجيش الروسي كطعم لأجهزة الإستخبارات الأخرى وللعقارب المختبئة بالجحور الروسية لإخراجها من جحورها والتواصل مع فاغنر ومع زيادة جرعة فاغنر وإبرازها كقوة متمردة بعد أن قامت بجهود عظيمة في إحتلال باخموت وإتضاح الصورة بشكل معلومات مفيدة لجهاز ال كي جي بي الروسي لم يعد هنالك خيارا أمام المنافقين أينما وجدوا سوى الظهور فتم رصدهم بهذه العملية لإعطاء الرئيس بوتين قوة إضافية مبنية على المعلومات للتعامل مع الأعداء مما يعزز من فرص الفوز وكسب السباق مع الغرب ،ويزيد من شعبية الرئيس بوتين ويؤكد تفوقه الكبير في الإنتخابات القادمة بعد تنظيف الساحات من أعداء الداخل الذين أظهرتهم هذه العملية على حقيقتهم ،وباتت ارتباطاتهم الغير مشروعة مكشوفة.
وربما تأتي هذه العملية قبيل مفاوضات وشيكة مع الغرب بخصوص أوكرانيا لتمنح المفاوض الروسي قوة في التعامل مع من يجلس على طاولة المفاوضات وفي حال فشل التفاوض لأي من الأسباب قد ينطلق الجزء الثاني من الخطة الإستخباراتية وقد يبدأ زعيم فاغنر من بيلاروسيا إذا غادر إليها بدء قيادة هجوم عسكري لإسقاط العاصمة كييف ،وبذلك تتويج المخابرات الروسية على رأس المخابرات الناجحة في العالم بتنفيذها هذا المخطط دون أخطاء ،وستبقى منفردة بالزعامة لحين قيام أي جهاز آخر بتنفيذ عملية نوعية جديدة بكفاءة أعلى وبدقة أكثر تتفوق على هذه العملية التي تدل على حنكة وقوة رجل المخابرات الأقوى بوتين ،ويبقى ما ورد مجرد تحليل قد يصيب وقد يخطيء.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر