السبت , يونيو 13 2026
الرئيسية / أخبار / تحليل ..لماذا لم نصدق تحذيرات القذافي وخدعنا الربيع العربي؟!

تحليل ..لماذا لم نصدق تحذيرات القذافي وخدعنا الربيع العربي؟!

علي الزعتري*
لأن عبارة “نظرية المؤامرة” تُضفي على القائلِ و الموصوفِ ظلالاً من الشكوك و السخرية تجعلَ الموضوعَ مثارَ جدلٍ في الأقل وأساسَ رفضٍ في الاستنتاج، يستخدمها الكثير لهذا السبب، لزرع الفكرة ونقيضها، فيبتعد الناس عن تصديقها، لكن المؤامرات حقيقةٌ و واقعٌ تأخذهم على حين غرَّة في غفلة.
لزمنٍ طويلٍ راجت حكايات الأطباق الطائرة و الفضائيين الزائرين للأرض و بنيت عليها ثرواتٌ للقصاصين و منتجي البرامج و الأفلام، و كُتِبتْ لها التقارير الحكومية السرية والمعلنة. ما بين أنها الخيال الواسع و الحقيقة المخفية نبتت نظريات المؤامرة عن أنها تأتي من عوالم فضائية أو أنها سلاحاً تجريبياً فائق السرية غير مكتشف للعدو والصديق بعد. ثم اتضح أن هناك شيئاً ما يقترب من الحقيقة، أننا لسنا الأذكياء الوحيدين في المجرة. مما دار في جلساتٍ عامة للكونغرس استمع العالم لشهاداتِ من قالوا أنها كائنات غير أرضية حقيقةً! بل قالوا أكثر. وكانت البحرية الأمريكية نشرت أفلاماً عن أجسام طائرة غير معروفة في عالم السلاح والطيران تحوم حول حاملات الطائرات و حتى حول قواتهم في العراق. و لا نعلم دون دليلٍ ملموس هل هذا الحديث مؤامرةً أم حقيقةً.
أسوقُ هذا المثلَ الفضائي للتدليل في عالمنا على التفاف الخرافة و المؤامرة و الحقيقة من حولنا. وكذا عالم السياسة والعسكرة والاستخبارات وهندسة الدول والشعوب. كلها تبدأ بخرافة تتداولها الناس و تتحول مع التكرار لمؤامرة و تنتهي حقيقةً تتحكم بنا، لكن دون استمتاعٍ، مثلما عندما تقرأ روايةَ خيالٍ علميٍّ.
ننتقل للواقعِ الذي نعيشه. كانت خرافة حكم اليهود لفلسطين هي أقاويل في أوائل القرن الفائت فأصبحت حقيقةً مقبولةً. و لسنين عديدة راجت الأخبار عن علاقاتٍ عربية خفيةٍ مع الصهيونية و اليوم هي حقيقة. و انتشرت حكايات تقسيم الدول العربية طوائف و عروق فوثقنا بقوة هذا الجيش و ذاك القائد الملهم حتى رأينا الحكايا حقيقةً. دولة الأكراد تمتد من العراق لداخل سوريا، مثلاً. أكانَ إنفجارَ الميناء ببيروت شيئاً من مؤامرة؟ هل كان قصفاً بطائرةٍ أو صاروخاً أو موادَ متفجرةً لهذا أو ذاك أو تفاعلاً لمواد كيماوية مهملةً لا دخل لأحدٍ به؟ كل المعلومات المتاحة عنه لا تخدش جدار ما حدث و لا تحدد المسؤول. كل تلك الأقمار الصناعية والطائرات الراصدة و الأعين اللصيقة التي تراقب لبنان لم ترَ شيئاً! الحقيقة الوحيدة للآن هي الدمار و الموت وأن الانفجار المريع لا بد كان مؤامرةً ما دامت الأسباب الأخرى غير مثبتةً. نعودُ بالزمن أبعدَ للعراق و أسلحة الدمار الشامل، التي لم يجدها أحد، رغم عنتريات المفتش سكوت ريتر الذي قاد عمليات التفتيش في طول العراق وعرضه و هو اليوم يقدم نفسهُ محللاً معارضاً لسياسات بلاده من سوريا لأوكرانيا. متى ابتدأت المؤامرة التي أرْدَتِ العراق العظيم لحاضرهِ السقيم؟ أمَعْ أولَ غارةٍ عراقية في العمق الإيراني أم مع هديرِ دبابةٍ بدسمان الكويت؟ أم بالقبول الغربي الفرنسي سقوطَ شاهٍ وصعود آية؟ لا ندري، ولن ندري قريباً.
وهل كانَ يهذي القذافي عندما كان يهاجم الغرب ويتهمه بالتآمر لسرقة شمس وتراب بلاده؟ وقتها صدقناه عاطفياً لكننا قلنا أنه كان مُتعِباً في خيالهِ و طول خطاباته التي أرهقت العرب و الجمعية العمومية للأمم المتحدة. ثم هذه هي بلاده اليوم شذراً مذراً، و حادثة قتلهِ فيها رواياتٌ عن التخطيط المسبق لقتله و فقط، بينما يقول القصير صاحب الأسبقيات ساركوزي أن أمرَ قتل القذافي لم يأتِ منه! فمِمَّن أتى إذن؟ تاريخه و ثورته لم يكونا مثالاً يُحتذى بهِ و لا مسارَ بلاده، لا معه و لا بعدهُ كذلك. من صباح الانقلاب في الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩ في ظل قاعدتين غربيتين ولليوم كأن ليبيا مؤامرة متدحرجة، درساً قاسياً لمن فيها و حولها و عبر البحار، بواطنها النفط و حوافها زلزلة الشمال الإفريقي العربي، بل و مفاهيم التعامل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي. لكن في أتون الحصار كان النفط الليبي يُصدر لأوروبا. وحقيقةً، لم يؤجج سلبيةَ ليبيا ككيانٍ جماهيريٍّ يقودهُ منفردٌ بأفكارٍ غريبة عند الغرب حتى بعد لوكربي إلا تحول ليبيا بعد الثورة الربيعية، التي صارت دهريةً، على الثورة السبتمبرية، لمنصةِ انطلاقِ للهائمين بأوروبا من العرب والأفارقة. هل كان القذافي هو المؤامرة على العهد السنوسي بمحضِ ذاته؟ و لماذا كان الانقلاب على مَلكيةٍ كانت محبوبةً من شعبها و صديقةً لمن حولها؟ و إن كان السبب في ثورة سبتمبر هو النفط و القاعدتين فالنفط كان يسيل للغرب في العهدين و لم تكن ليبيا أسعد أوقاتاً بالثورة والثورة ضدها من وجود القاعدتين، مع رفضنا للقواعد أينما كانت و من أين أتت؟ و لماذا كانت سياسةَ مسايرة سيادة الفوضى “الخضراء” التي نشرتها الجماهيرية كتاباً مؤلهاً و القبول بها لسنواتٍ؟ و لماذا كان الربيع العربي الذي أطاح بها و انتج فوضىً دمويةً لا تخمد نيرانها؟
كما لا يشذ السودان عن المؤامرة منذ زمانٍ طويلٍ و إلا كيف نُفَسِّرَ الارتقاءَ في الهاوية التي تحصد السودانيين منذ أشهر. السودان مثل الخليةِ السمينة انقسمت لجزئين وها هي تنقسم لأجزاء. متى بدأت المؤامرة هناك و من بدأها؟ و قد تنطبق مبادئ و مسارات نظرية المؤامرة من الصحراء الغربية في الشمال الإفريقي و لليمن السعيد مروراً بأجواء كل العرب سواء كانوا هم أنفسهم ضحايا تآمر أم متآمرين. كل بلدٍ وشعبٍ به ما بهِ من إشاعات المؤامرة التي تنتظر التحول للحقيقة.
نحن لا ننسجَ “خُرَّافةً” فالوثائق السرية التي تكشفها الدول الاستعمارية بعد مرورها بفترةِ الكتمان التي تصل لثلاثين أو خمسين عاماً تقولُ بكل وضوح أسراراً عن التآمر وأدوار العرب السابقين أفراداً و دولاً في خلقِ المؤامرات لبعضهم البعض بالترغيب و الترهيب. طبعاً بمعونةِ الاستعمار و لكن بقبول العرب. قد تكون هذه الوثائق جزءً من المؤامرة أي أنها كاذبة، قد يُقال، لكنها وثائق تكلمت عن ماضٍ صارَ حقيقةً نعيشها، و هناك اليوم ما يُكتب و يُحاك مما لا نعلم و قد يقرأه الناس و يعيشوهُ حقيقةً بعد جيلٍ أو اثنين. فأحداثَ اليوم التي يقول الحدس أنها أنسجةَ مؤامرة هي حقيقة الحاضر و المستقبل.
آسَفُ أنْ تستنتجَ عزيزي القارئ أننا لا نملك مصائرنا كشعوبٍ أو دولٍ لها الحق في تخطيط وجودها. في الازدهار الكريم المستديم و وقف هذا التوتر المُصاحب للعثراتِ اليومية على مستوى الوطن المفعم بالتفكير بالمؤامرات و تبعاتها. نحن نريد الازدهار الحقيقي لا ذلك المتعالي بالاستهلاك الفج و المتخفي بازدهار التبعية. أو ذلك الإزدهار المربوط بالقروض و الهبات الدولية وقبول شروطها. أو انتشار فساد النخبة كحالةٍ طبيعيةٍ و الاستهانة بانكسار المواطن أمام فساد معيشته و قلة حيلته. نحن نريد أوطاناً نظيفةً أخلاقياً مصونةً و محميةً لا أوطاناً حلم الشباب و الشياب العرب فيها هو الهجرة؟ نحن لا نملك مصائرنا، و لم نملك ماضينا الذي نكتشفه من الوثائق و المراسلات و إلا ما صارت مقدساتنا محتلةً منتهكةً و لا ارتمت الشعوب في الحروب الأهلية و جاعت وانتحبت موتاها.
هذا هو الواقع. و إلى أن نرى واقعاً يُشَرِّفُنا فلن يكون في أذهاننا إلا أنها المؤامرة.
*كاتب أردني ودبلوماسي أُممي سابق

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

عراقجي: توقيع مذكرة التفاهم مع امريكا أقرب من أي وقت مضى

اليمن الحر الاخباري/متابعات كشف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مساء اليوم الجمعة، عن أن مذكرة …