وجيدة حافي*
هل صحيح ما يتم تداوله هذه الأيام والضغوطات الكبيرة على السعودية من أمريكا التي تُحاول جاهدة إيقاعها في الفخ وجرها للتطبيع مع عدو الأمة، الأكيد أن “بايدن لن يمل ويكل وسيتعجل الأمر لتقديم هدية ثمينة لإسرائيل قبل الإنتخابات الأمريكية المقررة في نوفمبر القادم، وكلنا يعرف حجم الدعم الذي تقدمه إسرائيل وجاليتها اليهودية الأمريكية لأي رئيس يخدم مصالحها، وهي فُرصة ثمينة لكبج جماج الجانب السعودي الذي رفع مستوى علاقاته مع الجبهة الشرقية ممثلة في روسيا والصين، لكن تماطل السعودية في الرد الرسمي هو ما أقلق “بايدن” وجعله يُكثف من زيارته للملكة من خلال رجاله والمقربين منه، في مُحاولة لإقناع الملك وإعادة العلاقات التحالفية بين البلدين والتي عرفت نفورا في عهد “ترامب”، وما زيارة “سوليفان” مُستشار الأمن القومي الأمريكي التي لم تكن مُوفقة إلا رسالة قوية ورد صريح على عدم جاهزية المملكة لعودة العلاقات مع أمريكا التي بدأ نجمها في الأفول وقيادتها للعالم تتآكل في كل القارات، لكن هذا لا يمنع من التعبير عن خوفنا من السقوط في الفخ وخاصة أن المملكة بحسب “فريجمان” الصحفي المُقرب من “بايدن” وضعت شُروطا لقبول العرض ك إتفاق مشترك دفاعي لحمايتها، الحصول على برنامج نووي سلمي كغيرها من الدول، شراء أسلحة متطورة وخاصة منظومة صواريخ ثاد وطائرات الشبح “إف35، شُروط لا تبدو تعجيزية وسهلة التحقيق إذا وافقت إسرائيل على بعضها، وربما تكون مُناورة من الجانب السعودي الذي يعرف أن مطالبه لن تُحقق بسهولة من الجانبين، مما قد يدفع الحليفين عن التراجع عن الفكرة والإهتمام بقضاياهم الداخلية والخارجية، وفي هذه الحالة أيضا فالرد على مطلبهم قد أُجيب عليه.
فما حقيقة التطبيع القادم مع تل أبيب والذي تتحدث عنه وسائل الإعلام الإسرائيلية كثيرا؟ ولماذا هذا الصمت من السعوديين؟ الأكيد أن العملية لن تكون سهلة للإسرائليين وستكون طويلة وحذرة، ليس كمثيلاتها من الدول العربية المطبعة، فالسعودية ذو وزن عربي وإسلامي، وتلعب دورا إقليميا وعربيا في كثير من الصراعات، طبعا ما قيل وما نسمعه هو من جانب واحد فقط، وعدم وجود تصريح سعودي رسمي، ينفي كل الإشاعات التي تحاول إسرائيل وحليفتها نشرها لهدف وآخر، ولا نظن أن السعوديون سيقعون في الفخ، خصوصا أن إسرائيل لا يؤتمن لها ومعروف عنها الخذلان وعدم الوفاء بالوعود. وخُطوة كهذه في هذا التوقيت بالذات ستكون وصمة عار للسعودية المُحتضنة للقمة العربية والمُساهمة مع الجزائر في عودة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية، لهذا لن يكون من مصلحتها التطبيع العلني والجهر به أمام الرأي العام والعالم، وإلا ستظهر بمظهر المُنافق والمصلحجي.
وعوض البحث عن ضمانات أمنية من أمريكا تلتزم بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية بالدفاع عن السعودية في حالة تعرضها لهجوم، لما لا تُحاول إصلاح العلاقة بينها وبين من تعتبرهم تهديدا لأمنها مع دول الجوار، فالعدو لا يُؤتمن وخاصة لما يكون الطرف الثالث عربيا، ولأن كل الظروف تُوحي بتأجيل أو إلغاء هذا التطبيع، فإبرام مُعاهدة دفاع مُشترك مع الرياض يعني أن أمريكا ستعود من جديد للإنخراط في مُشكلات المنطقة وصراعاتها، والدخول في صراع مع إيران، وهي المشغولة بالتحديات الجديدة ( الصين وروسيا) بالإضافة إلى هذا، فمجلس الشيوخ الأمريكي لن يُصادق بسهولة على المُعاهدة، بسبب إستياء الكونغرس من السعودية وعلاقاتها الجديدة، ومسألة الإتهامات بحقوق الإنسان، فأمريكا هدفها واحد وتُريد من هذا التطبيع أن يكون وسيلة لكبح جماح المارد الصيني الذي بدأت علاقته مع الدُول العربية والسعودية تتطور وفي كل المجالات، وتريد كسر العلاقة بين روسيا والسعودية بخصوص أسعار الطاقة وزيادة الضغط علىى روسيا في حربها على أوكرانيا، “فبايدن” يُريد أن يكون هذا التطبيع بمثابة البوابة لتطبيعات عربية أُخرى تخدم سياسته الخارجية، أما نتنياهو فيطمح إلى أن يكون الزعيم الأول الذي أنهى العلاقة المتوترة بين العرب والإسرائيليين، وبهذا ستُهمش القضية الفلسطينية وتُحول إلى مسألة هامشية إقليميا ودُوليا، وتحسين صورته المُهتزة أمام الرأي العام الإسرائيلي .
وفي ظل كل هذه الإختلافات في المواقف والأهداف البعيدة والقصيرة المدى، والتحديات الداخلية والخارجية للأطراف الثلاث، يصعب الحديث عن إتفاق ثلاثي، نتمنى أن لا يتحقق وأن لا تكون السعودية الضحية القادمة “لنتنياهو وبايدن”، وبالمُناسبة الجميع ثمن خُطوة تعيين سفير فوق العادة لدى السُلطة الفلسطينية ومنصب القنصل العام في مدينة القدس المُحتلة، خُطوة مُباركة تُوكد الدعم السعودي اللامحدود للشعب الفلسطيني، وهي من بين الرسائل التي تريد إرسالها للحليفين الأمريكي والإسرائيلي ومطالبتهما بالتوقف عن الثرثرة والسياسات الظالمة إتجاه الفلسطينيين، أما من يفسرون هذا بأنه ماهية للتطبيع القادم حسب تصريحات متناثرة هنا وهناك من شخصيات أمريكية وإسرائيلية هدفها خلط الحابل بالنابل وتوريط هذا البلد الإسلامي الذي تعتبر مكانته لدى المسلمين رأس ماله، وقوى يستند إليها، فنطلب منهم التريث لكي لا نظلم أحدا.
وبصراحة لو حدث وطبعت السعودية مع عدو الأمة فالأكيد أن الكثير من التغيرات الجيوسياسية والسياسية ستتغير في المنطقة، وقضية فلسطين ستُنسى وهي المنسية في الأصل في ظل كل الظروف العربية والعالمية التي نعيشها، فالسعودية كقوة إقليمية نابعة من الرضى الشعبي لنفوذها في مختلف البلدان وليس من إقتصادها فقط، تعي جيدا ما سيجلب لها هذا التطبيع على المستوى الداخلي وإنعكاسات هذا على صورة العائلة المالكة في نظر شعبها.
*كاتبة جزائرية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر