وجيدة حافي*
كثير من المُحللين والسياسيين لاموا مصر على دورها المتواضع في الحرب بين المُقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وإعتبروا موقفها مُخزي وغير مُشرف على الإطلاق مُقارنة بالسنوات الماضية، أين لعبت دورا كبيرا في تهدئة الأمور والتوسط لدى الطرفين لتجنب الحرب وتوابعها، لكن هذه المرة مصر العُروبة في الأول إكتفت بالتنديد والإجتماعات مع مُختلف الأطراف لإيقاف هذه الحرب، وبعد أن يئست من المُحاولات وسُدت جميع الأبواب في وجهها، عادت من جديد للقاءات الدُولية والعربية لإدخال المُساعدات للفلسطينيين الذين يموتون يوميا بقنابل العدو الغاشم الرافض لأي هُدنة والمُواصل لإعتدائه الجبان ضد الأطفال والنساء، فمصر بالنسبة للفلسطينيين الملاذ الآمن من بطش وعنف بني صهيون عن طريق معبر رفح الرابط بينهما، هذا المعبر المُغلق إلا للمُساعدات وخُروج الرهائن وأصحاب الجنسيات المُختلفة، وللذين يقولون لماذا تُزايدون على مصر وحدها وماذا عن بقية البلدان والجارة منها كالأردن ولبنان وسوريا، نقول أن وضع مصر يختلف عن بقية البلدان، فهي مُقارنة بهم سيادتها مُحترمة وغير منتهكة، لها صوت دولي وتلعب دورا كبيرا في تغيير بوصلة الصراع، كثير ما إستنجد بها الإسرائيليون للتدخل وفض النزاع مع حماس، ولهذا التركيز عليها من كل النواحي، كما أن تخليها عن قطاع غزة الذي كان خاضعا لها من 1948 حتى 1967 وعدم دفاعها عنه والهرولة لإتفاقية سلام مع العدو يجعلها أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية إتجاه أبناء غزة التي تخلت عنهم في لحظة ورمتهم لقدرهم المشؤوم، تطبيعها الجهري مع العدو من خلال إتفاقية “كامب ديفيد الملعونة” والتي أخرجت أكبر دولة عربية وقتها من الصراع العربي الصهيوني ووجهت ضربة قاضمة للعرب وكفاحهم مع آل صهيون الذي هزمهم وقادهم للتطبيع والركع أمامه، المُقاومة كذلك لم تسلم من النظام المصري الذي خنقها وإتهمها بأبشع الإتهامات وقيد من حركتها عبر ردم الأنفاق وإغراقها بالماء للتضيق على أهل غزة، كل هذا يجعل من مصر الأمس واليوم أمام مسؤولية دينية وأخلاقية، سياسية قومية إتجاه كل ما يحدث وسيحدث، لكن في نفس الوقت تحميلها المسؤولية لوحدها غير عادل ومُنصف، فهي إن خانت بالأمس فجميع الدول العربية خانت مثلها بإدارة ظهرها عن ما يحدث وإكتفائهم بالتنديد والخطب الهوجاء، فما يحدث في غزة اليوم وغدا سببه حُكام عرب خائنون ضعيفون، أُسود على شعوبهم ونعاج مع الآخر، وأنا أتكلم عن كل الحكام دون إستثناء، فالمُنتصر الوحيد من كل ما يحدث هم أهل غزة والمُقاومة بمُختلف أشكالها وأنواعها، هؤلاء الأشباح الذين أذاقوا الويل لإسرائيل وأخرجوها عن طوعها رغم بساطة الأسلحة والمُعدات، هم بحق من يحق لهم أن يكونوا على رأس السُلطة الفلسطينية المغيبة تماما عن المشهد، سُلطة تابعة ومُنفذة لأوامر العدو وحُلفائه، لم ولن تُقدم شيئا للفلسطينيين مادامت بهذه العقلية الإنهزامية والإستسلام والخُضوع للغرب وأوامره، فهي في هذه الحالة تُعتبر البلد 23 مع بقية البلدان العربية الخائنة بطريقة وأُخرى.
فكل المُؤتمرات والإجتماعات التي يعقدها القادة العرب مُجرد ذر على الرماد لإيهام شُعوبهم المغلوبة على أمرها بأنها تتحرك وتسعى جاهدة لحل الأزمة، أزمة يعرف كل قادة المنطقة العربية أنها لن تُحل بمُؤتمرات وإجتماعات وإتصالات من هنا وهناك، فالوحيدة القادرة على ردع إسرائيل هي أمريكا الداعمة لها من كل النواحي، ولأن حُلفاء “نتنياهو” مازالوا لم يتفقوا بعد على وقف إطلاق النار والإنسحاب، فالحرب سيطول أمدها وربما تتسع لدول جارة، لذا فالرئيس السيسي والملك عبد الله في حالة لا يُحسدان عليها مُقارنة ببقية الزعماء، فمصر والأردن في قلب الإعصار وإحتمال إنتقال الحرب إلى أٍرضهم موجود، والضغوطات عليهم لقبول فكرة التهجير أو العُقوبات التي تنجم عن هذا الرفض، خصوصا أن كلا البلدين في حالة إقتصادية صعبة أثرت على الحالة الإجتماعية لمواطنيهم المُطالبين بفتح الحُدود والمُستعدين للجهاد ضد إسرائيل وكل من يدعمها، مطلب شريف من أبناء الأُمة العربية الشُرفاء النُزهاء الغير مُتفقين مع حُكامهم في هذه النُقطة بالذات، لكن إستعمال العقل والمنطق ضروري جدا، لأن إتساع رُقعة الحرب إلى مصر والأردن يعني تحقيق العدو لأهدافه التوسعية، والدُخول في دوامة من الصراعات لا نهاية لها، والبلدان العربية ضعيفة وغير قادرة على مُجابهة أي تحالف، لكن إتحادنا جميعا على قلب رجل واحد، والإتفاق على مقاطعة منتوجاتهم، منع التصدير إليهم وطرد قواعدهم الموجودة في المنطقة، وقطع علاقاتهم الدبلوماسية مع إسرائيل وحلفائها مثلما فعلوا سنة 1967، غلق قناة السويس أمام البحريات والبوارج، إلغاء كل إتفاقيات التطبيع والتعاون مع الإحتلال الغاشم، خُطوات صحيح ستُؤثر على العرب وإقتصادهم، كل حسب درجة الإنهيار والتبعية للغرب، لكن في نفس الوقت فُرصة لإستعادة الكرامة والتغلب على التبعية والهيمنة الغربية علينا، وما المُقاومة الفلسطينية إلا مثال عن الشجاعة فإسرائيل رغم إمتلاكها الصواريخ الحديثة والدعم، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها والسيطرة على المُقاومة وحماس، والأيام القادمة ستُجبرها على الإنسحاب وقُبول التفاوض لعودة الهُدوء والإستقرار لشعبها الذي فر ويئس من نتنياهو وحكومته الرعناء، وهذا هو الفرق بين شعب فلسطين الأبي المُقاوم الرافض لترك بلده والهجرة، وبينهم اللقطاء المنتشرون و المنبوذون في كل شبر من هذا العالم.
*كاتبة جزائرية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر