السبت , ديسمبر 9 2023
الرئيسية / اراء / نتنياهو وورطة تبادل الأسرى!

نتنياهو وورطة تبادل الأسرى!

د. رلى الفرا الحروب*
بالرغم من كل الضغوط التي يمارسها اهالي الاسرى على حكومة نتنياهو للافراج عن أبنائهم وبناتهم منذ أكثر من ستة أسابيع هي عمر هذه الحرب، وبالرغم من أن نتنياهو وحكومته كانا قد أعلنا مرارا أن استعادة الرهائن هو واحد من أهم أهداف هذه الحرب، إلا أن نتنياهو وحكومته عطلا صفقة تبادل الأسرى مع حماس 13 مرة بحسب تصريحات قادة حماس، وكأنهم لا يريدون الإفراج فعليا عن هؤلاء الأسرى، فلماذا يا ترى؟
إنجاز هذه الصفقة يقدم نصرا لحماس لا يريده نتنياهو وقادة جيشه وأركان حكومته، لا سيما وأن واحدا من أهم أهداف معركة طوفان الاقصى كما عبر عنها قادة حماس هو تحرير الاسرى الفلسطينيين وتبييض السجون، وتحقيق هذا الهدف، ولو على أجزاء، يعني انتصارا لحماس وللمقاومة الفلسطينية، وسيشجع فصائل المقاومة على تكرار العمليات التي تستهدف أسر جنود أو مدنيين كلما أرادوا تحرير أسرى من سجون الاحتلال.
وقد سبق أن عبر العديد من افراد هذه الحكومة وداعميهم في وسائل الإعلام الاسرائيلية عن هذه الفكرة مرارا حين قالوا : ليس من العدل ان يطالبنا اهالي الاسرى بالافراج عنهم وتبادل الاسرى مع حماس، لأنه لا يجوز أن نعطي المخربين نصرا يهدد وجودنا على المدى الطويل. بل أن الكثير من المحللين من الجنرالات السابقين الذين يظهرون على الشاشات الاسرائيلية قالوا: “ما المشكلة ان يموتوا وان ينضموا الى خسائر هذه الحرب؟ الأهم ان لا نمنح المخربين نصرا”.
كما أنه من المناسب الإشارة إلى أن الرهائن المدنيين من نساء وأطفال هم عبء مادي وأخلاقي وإعلامي وسياسي على كتائب القسام وسرايا القدس وباقي فصائل المقاومة التي تحتجزهم، ومن مصلحتهم التخلص منهم وإعادتهم إلى أهاليهم مع إبقاء الأسرى العسكريين في عهدتهم لإنجاز الهدف الأساس وهو تبييض السجون، وهذا بالضبط ما لا يرغب به نتنياهو.
هذه الصفقة تتطلب الموافقة على هدنة إنسانية لا يريدها نتنياهو وحكومته وجيشه، كي لا تلتقط حماس انفاسها من جهة، ولإدامة حالة الصدمة والترويع التي يسعى إلى توليدها في عقول أهالي غزة ومن خلفهم باقي العرب والمسلمين عبر قصفه الوحشي من جهة ثانية، ولانه لم يتمكن بعد من انتزاع اي صورة نصر عسكري من جهة ثالثة، لا سيما وأنه ما زال يسعى إلى تحقيق أهدافه بقتل قيادات كبرى في حماس أو تفكيك منظومتها العسكرية والسياسية أو تحقيق إنجاز مهم بعد إنهاك مقاومي حماس وحاضنتهم الشعبية، ولذلك، فإن الموافقة على هدنة حتى لو كانت إنسانية، ولغايات تجميع الاسرى من أماكن وجودهم المختلفة وتسليمهم، لا تدخل في أولويات حكومة نتنياهو وجيش الاحتلال في هذه الحرب، لا سيما وأن حماس ما زالت تحافظ على قدراتها في هذه الحرب، فهي مستمرة في قصف المدن والمستوطنات بالصواريخ، ومستمرة في إيقاع الخسائر المادية والبشرية الهائلة في صفوف جيش الاحتلال الذي يحاول التوغل في القطاع ولكنه يواجه بمقاومة شرسة وبمقاتلين كالأشباح.
يريد نتنياهو وحكومته لورقة الأسرى أو الرهائن أن تستمر عامل ضغط أمام عواصم القرار، وأن تواصل دورها في وسائل الاعلام العالمي، وان يستمر حشد الدعم العالمي السياسي والإعلامي والشعبي من خلال هذه الورقة، وشاهدنا كيف ان جميع القنوات التلفزيونية في عواصم العالم لا يخلو اي تقرير من تقاريرها من قصة صحفية عن الاسرى الاسرائيليين الذين تعرض معاناة أهاليهم وتستعدي العالم ضد حماس “الإرهابية الداعشية وهمجيتها” واختطافها للمدنيين اطفالا ونساء ومسنين، كما يريد لهذه الورقة أن تستمر في شحن الداخل الاسرائيلي بالغضب والحقد على الفلسطينيين كلهم، ليستمر دعم المجتمع الإسرائيلي لحرب الابادة والتهجير التي يقودها ضد غزة ومن بعدها سيأتي دور باقي الاراضي الفلسطينية المحتلة.
4. يخشى نتنياهو وأركان حكومته وقيادة جيشه مما سيقوله الرهائن المفرج عنهم للاعلام ولاهلهم، الامر الذي سيفضح الكثير من الاكاذيب التي روجها هو وأركان حربه منذ بدء هذه الحرب لكسب دعم الغرب وتوحيد المجتمع الاسرائيلي (المنقسم) خلف قيادته، وانكشاف هذه الاكاذيب يعني حتما سقوط نتنياهو وأركان حكومته وقيادة جيشه واستخباراته، كما يعني أيضا عدم تمكنه من مواصلة الحرب الطويلة التي يريدها من أجل تنفيذ الأهداف غير المعلنة لهذه الحرب وهي إعادة الاستيلاء على الأرض عبر آليات الإبادة والتهجير، أو فرض نظام أمني موال فيها يعمل على تغيير أيديولوجية أهالي القطاع نحو ايديولوجيا مدجنة مسالمة خاضعة للاحتلال قابلة به.
5. نتنياهو وحكومته الصهيونية المكونة من أقصى اليمين السياسي والديني المتطرف لا يعبأون بالحياة البشرية ليس لاعدائهم فحسب، وإنما لشعبهم نفسه ، فنتنياهو سياسي براغماتي قاسي كما يصفه أبناء جلدته، ولم يستح من استخدام مفاهيم الحرب الدينية في هذه الحرب، ولم يخجل من توظيف نصوص توراتية من سفر التثنية للتعبير عن نيته بإبادة أهل غزة أطفالا ونساء وشيوخا وحتى بهائم وأشجار مذكرا بأوامر الرب “لمحو ذكر عماليق من تحت السماء”، ووزراؤه يمينيون متعصبون مهووسون ينشدون للقتل والدمار ليل نهار، حتى أن أحدهم هدد بقصف غزة بقنبلة نووية متناسيا حجم الدمار الذي سيخلفه ذلك على شعبه وكيانه المغتصب في ظل اشتراكهم مع أهل غزة في التربة والماء والهواء، وعليه، فإنه لا بأس من وجهة نظر أولئك المتطرفين من ارتفاع اعداد القتلى الاسرائيليين ليضاف الى خسائر السابع من اكتوبر، طالما أنهم سيحققون أهدافا استراتيجية، خاصة وان موت الاسرى في الحرب يساهم في تغذية حقد الاسرائيليين على حماس والفلسطينيين ويمكن نتنياهو من المضي في تنفيذ خطته مدعوما بشحنات الحقد والغضب.
وضمن هذه المعادلة التي لا تعبأ بالحياة البشرية ولا تقيم لها وزنا، من المفيد أن نتذكر ان سكان مستوطنات غلاف غزة هم من العلمانيين الذين لا يدعمون نتنياهو ووزراءه، فهم ليسوا من جمهور الناخبين الذين صوتوا لحكومة اقصى اليمين الحالية، وهم عدائيون اصلا تجاه هذه الحكومة وسبق ان طردوا وزراءها واهانوهم عدة مرات، ولذلك شاهدنا رد وزراء الحكومة عليهم في الكنيست قاسيا يخلو من أي لباقة سياسية، فهم لا يعولون على دعمهم في الانتخابات أصلا، وبالنسبة لسياسي مثل نتنياهو فإن أي درب يقوده إلى إعادة احتلال غزة أو تحييد خطرها إلى الأبد هو درب مقبول بغض النظر عما يضمه من أشواك.
نتنياهو وقيادة اركانه وحكومته يسعون الى اطالة امد الحرب، على الرغم من الخسائر الاقتصادية الهائلة التي يتكبدها الاقتصاد الإسرائيلي والتي يعولون على الغرب الاستعماري في تعويضها، لانهم يدركون انهم ان لم يقدموا نصرا واضحا فإن مستقبلهم السياسي سيكون قد انتهى بعد ان تضع الحرب اوزارها وتبدأ أعمال لجان التحقيق، خاصة وان نتنياهو مهدد اصلا بالحبس على خلفية قضايا فساد، فما بالك حين تنضم إليها تهم الاهمال والتقصير والكذب والتضليل وإخفاء الخسائر الحقيقية وقتل الاسرائيليين تحت بروتوكول هانيبال والتسبب في هزيمة 7 اكتوبر؟
إن انجاز صفقة سياسية لتبادل الاسرى لا يخدم هذا الهدف بإطالة أمد الحرب، لانه يعطي حماس فرصة لتعيد ترتيب اوراقها وأوضاعها في الميدان، ويمد حاضنتها الشعبية بحبل حياة مؤقت لا تريده حكومة نتنياهو، ولأنه قد يفسح المجال امام حل سياسي لانهاء الحرب الحالية، وهو ما لا تريده حكومة نتنياهو، التي تجد في هذه الحرب فرصة لتنفيذ مخطط الصهيونية القديم الجديد والقائم على عناصر ثلاثة: إبادة، تهجير، ثم سرقة الارض، وهو ما يتردد صداه الان في الكثير من الدراسات التي اجرتها مراكز أبحاث صهيونية والتي تحرض قادة اسرائيل على اغتنام الفرصة والصمود في وجه الضغوطات الدولية لتنفيذ هذا المخطط بتهجير اهل غزة ثم تهجير اهل الضفة الغربية والقدس باعتبار كل عناصر النجاح قائمة ومتوفرة الان، وقد لا تتوفر ثانية ابدا.
نتنياهو كان يدعم أن تكون الوساطة في صفقة تبادل الأسرى مصرية لا قطرية لأن ضماناتها اعلى، فمصر هي رابع أضلاع المربع الجغرافي الذي يخنق غزة او يمنحها الحياة، والتزام حماس تجاه مصر سيكون اقوى منه تجاه قطر المتعاطفة والداعمة اصلا لحماس حتى لو كان دعمها السابق كما اعترف بعض سياسييها باوامر امريكية، لان حماس ان لم تلتزم ستخشى من انطباق الكماشة عليها من قبل مصر. هذا من جهة، من جهة ثانية، فإن نتنياهو يريد ارضاء مصر بإعطائها دورا يتناسب مع وزنها الإقليمي، ولضمان ابقاء هذه القوة العربية الأهم والأخطر في الخانة التي هي فيها اليوم والتي تسهم منها في مواصلة الضغط على غزة، لا سيما وأن الرئيس السيسي وبرلمانه وإعلامه لطالما عاملوا حماس باعتبارها حركة إرهابية. من جهة ثالثة، فإن نتنياهو يريد أن يبقي مصر قريبة منه ومنخرطة في مسار المفاوضات لضمان عدم انضمامها الى أي حرب إقليمية قادمة في حال تطورت الاوضاع مع محور المقاومة باتجاه حرب شاملة، ولعل العشرة مليارات التي منحها الاتحاد الاوروبي لمصر في هذه الظروف واحد من مؤشرات كثيرة تشي بمحاولات الاحتواء!
ولكن، ولأن الرياح لا تجري دوما بحسب ما تشتهي السفن، وجراء الضغوط الهائلة على هذه الحكومة الصهيونية الفاشية الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان، بل وفي تاريخ العالم، فإن نتنياهو يجد نفسه مضطرا هذه المرة لقبول هدنة إنسانية يتم من خلالها إنجاز صفقة لتبادل الأسرى المدنيين من نساء وأطفال بالحد الأدنى، مع إدراك أنه لن يعدم الوسائل لتحويل هذه الهزيمة إلى نصر أمام الرأي العام الإسرائيلي، كما فعل منذ بدء هذه الحرب التي لا يمكن وصفها من حيث السلوك الإسرائيلي إلا بحرب الأكاذيب!!
*كاتبة وأكايمية اردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

رسالة إلى الوالي .. الجباية نهاية الدولة ..

حسن الوريث يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة “عندما تكثر الجباية تشرف الدولة على النهاية” .. …