الإثنين , مارس 30 2026
الرئيسية / اراء / “حماس” تُملي الشروط!

“حماس” تُملي الشروط!

زهير أندراوس*
ـ أولاً، لا نتجنّى على أحد إذا قُلنا جازمين إنّ الدفعة الأولى من صفقة تبادل الأسرى بين الاحتلال وحركة (حماس)، هي عمليًا استمرار للفشل الاستخباراتيّ المُجلجِل الذي كان من نصيب الكيان في السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، عندما اقتحمت حماس الجدار وسيطرت على عددٍ كبيرٍ من المُستوطنات والقواعد العسكريّة، وقتلت أكثر من ألف إسرائيليٍّ، فيما يُسّمى بـ “غلاف غزّة”، جنوب الدولة العبريّة.
ـ ثانيًا، الفشل كان مدويًا، بَيْدَ أنّه، وعلى الرغم من عدم التكافؤ العسكريّ بين الطرفيْن، تواصل بطرقٍ أخرى، فباعترافٍ إسرائيليٍّ رسميٍّ، لم تتمكّن مُخابرات دولة الاحتلال من تحديد أماكن احتجاز الرهائن، علمًا أنّها تتمتّع بدعمٍ غربيٍّ وعربيٍّ كبيرٍ من دولٍ عديدةٍ، وفي مُقدّمتها قائدة الإرهاب العالميّ، الولايات المُتحدّة الأمريكيّة.
ـ ثالثًا، في هذا السياق وَجَبَ التأكيد أنّ الأمين العّام لحزب الله اللبنانيّ، كان قد أكّد في خطابه قبل أسبوعيْن تقريبًا، أنّ إسرائيل لم تُحرِّر يومًا أسيرًا واحدًا في عمليةٍ عسكريّةٍ، بل كانت دائمًا تلجأ لعقد الصفقات بوساطة طرف ثالثٍ لإخراجها إلى حيّز التنفيذ، وربّما الدفعة الأولى من الصفقة تثبت بما لا يدعو مجالاً للشكّ أنّ حديث السيِّد كان صحيحًا ودقيقًا. الصفقة أكّدت لكلّ عاقلٍ أنّ إسرائيل العظمى، أوهن من تحرير أسيرٍ واحدٍ في عمليةٍ عسكريّةٍ.
ـ رابعًا، تقول العلوم العسكريّة إنّ أحد الأطراف في ضغطٍ، وفي حالتنا يبدو أنّ دولة الاحتلال تعيش أزمةً خانقةً، ذلك أنّ الإنجازات العسكريّة التي حققتها حتى اللحظة تكاد لا تُذكر، كما أنّ عائلات الرهائن باتت الرقم الصعب بالمُعادلة، وما من شكّ بأنّ الضغوط التي مارستها على صُنّاع القرار ساهمت إلى حدٍّ كبيرٍ في إجبار الحكومة على الموافقة على الصفقة، وغنيٌّ عن القول إنّ تكلفة الحرب الاقتصاديّة أكثر من أنْ تتحملّها إسرائيل.
ـ خامسًا، لمنع الالتباسات كشفت مصادر أمنيّة واسعة الاطلاع في تل أبيب أنّه بعد مرور 49 يومًا على بدء الحرب ضدّ قطاع غزّة، فقدت حركة (حماس) عُشر قوتها العسكريّة فقط، أيْ أنّ المُواجهة، رغم سقوط عددٍ كبيرٍ من الشهداء وتدمير البنية التحتيّة وتهجير سُكّان غزّة، ما زالت مستمرّةً وبوتيرةٍ عاليةٍ جدًا، ومرّةً أخرى، رغم عدم التكافؤ العسكريّ والآخر بين الطرفيْن.
ـ سادسًا، من نوافل القول إنّ إسرائيل بموافقتها على إبرام الدفعة الأولى من صفقة التبادل انكسرت، وفتحت الباب على مصراعيه لعقد صفقاتٍ أخرى، كما أنّه من البديهيات أنّ ثمن التبادل سيرتفع تدريجيًا مع كلّ دفعةٍ جديدةٍ، وعندما نقول الثمن نقصد عدد الأسرى الفلسطينيين المحررين وأيّام الهدنة التي ستُفرَض على الكيان من أجل إخراجها تطبيقها، علاوةً على أنّ الثمن سيصِل إلى القمّة عندما ستجري المفاوضات على تحرير الجنود والضباط الأسرى، مع أنّه لم يُعلَن رسميًا حتى اللحظة عن وجودهم في الأسر.
ـ سابعًا، منذ بدء العدوان حظيت إسرائيل بدعمٍ دوليٍّ عارمٍ، ولكن التأييد العالمي بدأ بالتلاشي، فبعدما شاهد العالم ورأي الدمار الذي خلّفه القصف وسقوط حوالي 13 ألف شهيدٍ، نصفهم من الأطفال، حتى صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكيّة، غيرُ المشهورة بتعاطفها مع الفلسطينيين، انتقلت منذ يوم الاثنيْن الماضي وبشكلٍ مكثّفٍ إلى نشر الصور المُروِّعة عن حمام الدماء في غزّة، وتركت جانبًا ما حلّ بالإسرائيليين في السابع من أكتوبر الماضي، وهذه النقلة النوعيّة تُشير إلى أنّ الرأي العام العالميّ بدأ باستيعاب المجزرة والإبادة الجماعيّة التي تحدث في غزّة، والتي يتِّم نقلها بالصوت والصورة، في عصر الهواتف الذكيّة ووسائط التواصل الاجتماعيّ، وهو الأمر الذي دفع المؤرِّخ الإسرائيليّ، د. يعقوب بالكوف، إلى القول لصحيفة (هآرتس) العبريّة إنّه في “المعركة على كيّ الوعيْ إسرائيل متخلِّفة عن حماس ألف سنةٍ ضوئيّةٍ”، طبقًا لأقواله.
ـ ثامنًا، غنيٌّ عن القول والفصل أيضًا إنّ هدفيْ الحرب اللذيْن وضعتهما الحكومة الإسرائيليّة: القضاء على حماس وتحرير الرهائن، يسيران في خطٍّ مُتوازٍ لا يلتقي أبدًا، وهو الأمر الذي دفع المُحلِّل شلومي إلدار إلى نشر مقالٍ في (هآرتس) العبريّة يؤكِّد فيه بأنّ “حماس هي التي تُملي هذه المرّة أيضًا الشروط، يحيى السنوار يعرف جيِّدًا الحساسيّة الإسرائيليّة لحياة سُكّان الكيان، فبعد 24 عامًا في السجون الإسرائيليّة تعلّم بشكلٍ ممتازٍ طبيعة المجتمع الإسرائيليّ”. وأضاف الكاتب إنّ “إسرائيل تدفع ثمن فشلها المجلجل، لقد تلقّت حماس ضربةً، ولكنّها ما زالت قائمةً، قائمةً وتحكم لأنّ قيادة حماس وقفت وقفة رجلٍ واحدٍ مع السنوار لمنحه التأييد على الرغم من (جنونه) وتضحيته بآلاف القتلى. السنوار يعلم تمامًا كيفية استغلال الإخفاق الإسرائيليّ الأكثر إيلامًا في تاريخ الكيان، يعلم آلية استغلاله حتى الرمق الأخير”، على حدّ تعبيره.
أخيرًا، الدفعة الأولى من الصفقة تُعتبر ضربةً قاصمةٌ للإسرائيليين، قيادةً ومُستوطنين، وعلى نحوٍ خاصٍّ، لمعنوياتهم، ذلك أنّ قادتهم أطلقوا لهم الوعود بتحرير الأسرى والقضاء على (حماس)، ولكن على أرض الواقع اضطرت دولة الاحتلال، للمُوافقة على صفقة التبادل وتذكير مَنْ خانته ذاكرته القصيرة أوْ الانتقائيّة، أوْ الاثنتيْن معًا، بأنّ نكسة إسرائيل في السابع من أكتوبر الماضي ما زالت مستمرّةً وبوتيرةٍ عاليةٍ.
*كاتبٌ فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

معركة مصيرية وفاصلة للأمة!

عبدالحكيم عامر* عبدالحكيم عامر في لحظة فارقة ومصيرية، وأمام منعطف مفصلي يُحدّد على أَسَاسه مستقبل …