الإثنين , مارس 30 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / الدرس الذي لم يتعلمه الطغاة!

الدرس الذي لم يتعلمه الطغاة!

خالد شــحام*
من شرفة ما ، يمكنك أن تنظر إلى هذا العالم من أعلى أو من جُحرك الخاص وتتأمل على مد البصر كما يحلو لك ، إنها سنوات العسرة والألاعيب الكبرى التي أطلقت مع مطلع العام 2020 .
موجة جارفة من مؤامرة أو خطــة ما تشبه موجة تسونامي أمريكية الصنع والمولد ومتعددة الغايات تجتاح كل بلاد العالم اسمها موجة الكورونا والمتحورات الذكية ، موجة أخرى متسارعة ولاهثة تكتسح العالم العربي في ظل الموجة الأولى الأكبر كي تمحق وتحرث العالم العربي عن بكرة أبيه وتحضره وتجهزه لواقع جديد يبدو مستعجلا وغير صبور في فرض وطرح نفسه ، يبدو المشهد مرعبا ! ويبدو المشهد العربي مخيفا وباعثا على الإحباط بآفاق لم يحصل مثلها من قبل ، موجة عاتية من العمالة والسقوط الوطني والقومي تعبر عواصم العرب بالتدريج تحت اسم محسن اسمه التطبيع ولكن اسمه الحقيقي أشد قبحا ألف مرة ونتائجه ونهاياته أشد تخويفا وأشد وزرا ، الصلوات التلمودية تحتل مكان صلوات المساجد والكنائس ، أصحاب القلنسوات الصغيرة صاروا سادة العرب يصولون ويجولون ويفتتحون المعابد والمراكز وكأنها تتحضر لتكون الوريث الرمزي لمرحلة جديدة في بلاد الضـاد التي فقدت القدرة على النطق وحتى الكتابة !
كل هذا حصل وأكثر ، واستطرد الضرر والتمدد الاستعماري إلى دواخل صدورنا إلى الحد الذي فقدنا فيه الثقة بإمكانية إحداث أي تغيير في ظل الفتوحات الاسرائيلية المتواصلة ، وفي حال جرب أحدهم لرفع صوته أو الإقدام على الإعتراض أصبحت تهمة الإرهاب أو مشتقاتها جاهزة وحاضرة مثل طلقة البندقية ، وفي ظل غياب التعريف الأمريكي للإرهاب عنوةً وزعرنةً أصبح بالإمكان توجيه هذا الذنب الجديد إلى أي شيء يخطر في بالكم ضمن قوانين هذه اللعبة الممتعة ، مثلا يمكن إتهام إمام مسجد بأنه إرهابي لأنه دعى دعاءا على اليهود ، يمكن إتهام طالب عربي في لندن بأنه إرهابي إذا ثبت أنه يتعاطى دروسا في مركز إسلامي ! يمكن الإدعاء على بنك عربي بأنه إرهابي إذا وجدنا رصيدا أو حسابا لمركز جمع تبرعات للفقراء في غزة أو مخيمات لبنان ، يمكن إتهام جمعية أو أية هيئة أو منظمة إنسانية بصفة الإرهاب إذا كانت غير متوافقة مع مزاج الموضة الأمريكية ! يمكن إتهام طفل بانه إرهابي إذا ارتدى كوفية فلسطينية أو ذكر إسم حماس بالخطأ ! ، كل هذا الواقع المحبط والمرعب حتى الخذلان تبدل فجأة خلال يوم واحد معجز اسمه السابع من تشرين العظيم حيث أحدثت المقاومة الفلسطينية كسرا في مركز اللوح الزجاجي وتداعت التشققات إلى الأطراف ومراكز الخدمة وحراس البوابات ، حدث عمودي صاعد نحو السماء مجدا وتاريخا وحضارة كانت تنتظره المنطقة ولا تعرف من أين سيأتي !
مقابل هذا الحدث قدم الصهاينة والمستعمر الأمريكي رد الفعل المقابل والموازي وهو جريمة القرن في غزة إلى الدرجة التي جعلت مجازرهم السابقة في فلسطين والمنطقة مثل دير ياسين وقبية وصبرا وشاتيلا واليمن ولبنان وسوريا والعراق وأفغانستان تبدو متواضعة حيال هذه الحجم الجديد ، جريمة استمرت خمسين يوما تحت بصر وسمع العالم بأكمله الذي فقد القدرة على النطق والحركة .
مع هذا اليوم تنتهي ( هدنة ) اليومين الإضافيين ونستطيع بأدواتنا البسيطة رصد الكثير من التحركات داخل مترو أنفاق المستعمرة الأمريكية الكبيرة المتمددة في كل الشرق الأوسط والكثير من التصريحات والتأويلات والسيناريوهات المسرحية المرسومة التي أدخلتنا جميعا في القبة الفلكية للحيرة والتخبط ، فما الذي ستأتي به الأقدار وما الذي يحوم فوق غزة والمصير وشعوب العرب ودول المنطقة ؟ إنها أسئلة صعبة ، لا يمتلك أحد إجاباتها حتى العدو بنفسه لا يعلم آفاقها لأن جزءا من اللعبة خرج من بين يديه ولكن إليكم بعض الإضاءات في عتمة الغرفة لعلها تهدي إلى سبيل :
-إن مبدأ الهدنة سمح ببعض المتنفس للأهالي داخل غزة ومنح أملا بدوران الحياة ، لكن علينا ألا ننسى بأننا من الأصل نعيش مع هذا العدو في حالة (هدن) طويلة متقطعة وكل الحياة ما قبل طوفان الأقصى كانت مجرد هدنة مؤقتة مع غزة ولكنها لا تعني أبدا بأن المعركة انتهت حتى لو استقر الحال وظفرت غزة بهدنة طويلة ، إن المعركة هي معركة كل شعوب المنطقة.
-إن المصلحة الصهيونية الآنية معنية جدا بوجود هدنة بحكم الهزيمة الفعلية الحقيقية التي منيت بها على كل الصعد ولكن هنالك جانب من هذه الحرب يمكن اعتباره شخصيا أو تتقاطع فيه الغايات الشخصية وذلك عبر رئيس الوزراء الكيان والذي يدرك تماما أن المنظومة الداخلية التي عينته رئيسا للوزراء سوف تحاسبه بشدة ولذلك ليس من المستغرب اقدامه على خطط تفتعل النار في المنطقة أو تحرص على إيقادها لاثبات ضرورته ودوره الإجرامي المرحلي في حياة الكيان .
-إن الدولة اللوسيفيرية العميقة داخل الكيان بدأت بالتخلي عن نتانياهو والأدلة كثيرة وليست عفوية ولا مجانية وذلك من خلال بعض الوخزات المباشرة للضغط عليه كما في تصريحات عامل المقبرة وتصريحات ايهود باراك والتهليس على غارة مشفى الشفاء والفضائح الإعلامية ، ان سبب ذلك واضح في أنه فشل في مهمته وجلب العار لهذا الكيان .
-إن تحييد عصابة نتانياهو وتعديل مسار اهداف الحرب لا يعني نهاية المطاف ولا نهاية المعركة مع الامبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية ، إن المنبع الحقيقي المولد لهذه المظاهر الاستعمارية هي العقيدة الرأسمالية التي تلفعت بكل الأديان وكل الايديولوجيات وكل الوجوه والأعراق كي ترتقي وتبقى وتتحول الى غول بيد النخبة الحاكمة ، العالم لم يواجه العدو الجذري بعد.
– إن موضوع التهجير وكما نعلم ليس وليدا لعملية طوفان الاقصى ولا هو مقصور على غزة ، إنه جزء من الاستراتيجية الصهيونية الفاعلة والحقيقية والتي اسمها الابادة وهي ليست مزاحا ولا تجنيا عليهم ولا هي تعبير انشائي عبثي ومجازي ، إنها حقيقة يثبتها السلوك والافعال بقتل 20 الف انسان بكل بساطة خلال خمسين يوما ومسح معالم الحياة للحجر والشجر، هؤلاء مجرمون والتعامل معهم لا ينبغي ان يخرج عن هذه الفكرة في أي وقت .
– لقد كشفت مجريات المعركة وشخصت خارطة اعداء الأمة والذين يمكن تمييزهم وكشفهم من خلال ليس تصريحاتهم وكلماتهم بل بأفعالهم المباشرة او امتناعهم عن الفعل أو اتفاقاتهم السرية ، إن هذه الخارطة ذات اهمية قصوى في سياق المعركة القادمة وتبين لنا بما لا يقبل الشك أن اسرائيل التي نعرفها تتعدى مساحة فلسطين ، هي جسد حاضر وموجود وينطق العربية جيدا ويضع يده على مقدرات الأمة ، إن اعداء هذه الامة صف طويل متنوع ومتعدد المهام والوظائف واللغات وخلافا للدول يشمل منظمات انسانية وحقوقية وصليب احمر وحتى هلال احمر ومؤسسات دينية ومالية ومؤسسات إعلامية وجامعات ومنصات الكترونية ، كل هؤلاء يمثلون جيوش الشيطان والاستعمار وأداوته الفاعلة في عالمنا وحياتنا ومستقبلنا .
— إن الحفاظ على الانتصار اصعب من الحصول عليه وخاصة في الهجمة الإعلامية والإنسانية والثقافية وحرب التضامن العالمي ، كل هذه المكتسبات تحتاج وعيا وإدارة حكيمة من كل المعنيين .
لا يمكن لأحد أن يتخيل حجم العبء والكلفة والكادر الذي يطلع به الجهد الاستعماري الصهيوني عبر العالم للظفر بمآربه ، إنه جهد لا أمل له ولا ضمانة ببقائه ، إنه أشبه ببيت من الزجاج يتطلب الأمر آلافا من العبيد والخدم الذين يجب أن يعلموا ليل نهار لوقايته من حجر او حر الشمس او لسع البرد ، تريد دويلة الكيان ومعها الولايات المتحدة إحكام الإغلاق على منصات التواصل الاجتماعي ، يريدون منع جميع صحف العالم من الاتيان على أي انتقاد أو تأييد معاكس ، يريدون من كل جهة وكل مسؤول في العالم أن يدين المقاومة ويحملها الذنب الاسرائيلي ، يريدون من كل فنان وممثل وصحافي ورسام وكاتب ومؤثر وأي كائن حي في هذه المعمورة أن يكون معهم ويمنع عليه أن يتلفظ حتى بأي شيء يمس قدسيتهم ! أية مهمة جنونية هذه ؟ كم يمكنها أن تدوم ؟
صورة المجاهد أو المقاوم العربي النمطية والقديمة المفتقرة لأدوات العصر والتي يحاكمها العقل بأنها هشة وبدائية وسهلة الكسر ولى زمانها ولم تفاجىء العدو فحسب بل فاجأتنا نحن وكل أولئك المساندين للقضية ، لقد فاجئت حتى الداعمين السريين للعدو من العرب والغرب .
– الدرس الكبير الذي لم يتعلمه العدو الصهيوني عبر كل التجارب والحروب السابقة لا يزال يتكرر ، تقوم عقيدة هذا الكيان على الفكرة العسكرية و منطق القوة المفرطة ثم تشكيل كيانات موالية ومؤتمرة بأمره في المناطق والتي تسبب له الصداع ، لقد اثبتت كل الحروب السابقة فشل القوة كما في حرب لبنان 82 وحرب تموز 2006 وفشلت نظريات الحكومات الموالية كما في السلطة أو جيش لبنان الجنوبي وغيرها من التجارب ، فشلت ايضا فكرة الاستحواذ على المنطقة للضغط على القضايا الكبيرة ، لم يفهم هذا العدو أن الحل البسيط والمباشر يتمثل في اعادة الحقوق الى اصحابها والنزول من عرش الجبروت المحاط بالنار والحديد والعودة إلى مسقط رأسه.
-ما يجري في معركة غزة يتجاوز خديعة مكافحة الارهاب الهزلية ويتعدى افشال خطط عصابة نتانياهو ويتعدى حتى طموحات مملكة التلمود القديمة في استعادة جغرافيتها تحت مسمى صفقات التطبيع والصلح والتعايش نحن أمام استعمار جديد كامل للمنطقة تبعا للفكرة المذكورة في مطلع المقالة ، إن من هو في خطر حقيقي ليس المقاومة في غزة أو المقاومة العربية إنها الدول العربية المتفرجة بأم عينيها على نهاياتها ونعشها الذي يُعد لها بالتمام والكمال ، نحن على أعتاب أحداث كونية من تفاعلات جيوسياسية كبيرة ولكنها أيضا مصاغة بقدر رباني لا ريب فيه بدأت بشائره تطل وتتطابق مع ايماننا وعقيدتنا ورؤيتنا للصراع ، عين جالوت سوف تتجدد ومعركة يوسف بن تاشفين في الزلاقة سوف تتجدد ، صحيح تماما أن الإعلام الغربي والعربي يقدم الأخبار وينقل صور المسؤولين الأمريكيين وهم يصولون ويجولون وصورة نتانياهو وهو يشرب الشاي في قلب غزة ثم يتجول مع ايلون ماسك المتصهين في أكذوبة جديدة ، كل ذلك لا يختلف عن كل التجارب الفاشلة السابقة التي لم يتعلموا منها أبدا ، المستقبل لنا ، لنا نحن الشعوب العربية ذات الهوية المتجذرة الثابتة ذات الثقافة الاسلامية -المسيحية الحقيقية ، المستقبل لنا ، لنا نحن مقاومة العرب في القرن الحادي والعشرين ، المصير داخل غزة وخارج غزة لن يرسمه لا بايدن ولا بلينكن ولا نتانياهو ولا عباسياهو ولا الخسيس ياهو ولا الكذابياهو ، هنالك اشياء في هذه الكون لا يمكن احتواؤها او السيطرة عليها مثل ظاهرة الحياة والحرية والحقوق مهما حاولتم خنقها وقتلها ، الشعوب الثائرة الواعية هي التي سترسم المصير والمسار والمقاومة هي من يمثلنا .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ثلاث سيناريوهات ستحدد مستقبل لبنان؟

  د. اماني سعد ياسين* من يظن أنّ هذه المعركة انتهت هو واهمٌ بالكامل! هذه …