الإثنين , فبراير 2 2026
الرئيسية / اراء / طوفان الأقصى بين الواقع وأحلام المتصهينين..!

طوفان الأقصى بين الواقع وأحلام المتصهينين..!

زيد الشهابي*
منذ أكثر من 75 عام والشعب الفلسطيني يناضل لإنجاز حقه بتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وبرغم السنين لا يزال هذا الحق سليباً والأرض محتلة والشعب الفلسطيني أسيراً بين جغرافيا محتلّة وبين مخيمات اللجوء.
خلال هذه الأعوام شهد العالم والمنطقة تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية هائلة، إلا أن إرادة الشعب الفلسطيني بتحرير أرضه كانت العامل الوحيد الذي يزداد صلابة بمرور السنين، إرادةٌ تكسّرت عليها عشرات المشاريع المشبوهة الهادفة للالتفاف على حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ومنح الكيان الصهيوني وداعميه مزيداً من الوقت لمواصلة الهيمنة القائمة على نهب خيرات المنطقة وترسيخ نظام عالمي تم تأسيسه لخدمة الغرب والحفاظ على مصالحه.
شكّل قرار تقسيم فلسطين عام 1947م إجحافاً تاريخياً بحق الشعب الفلسطيني الذي لم تتم استشارته، بل تم التعامل معه وكأنه دخيل على وطنه، إن هذا القرار انتقاص من إنسانية الفلسطينيين وتعامي عن وجودهم، وهو بالذات ما منح العصابات الصهيونية الضوء الأخضر لارتكاب أفظع الجرائم على مدار أشهر انتهت بما نطلق عليه فلسطينياً “النكبة” التي عَنت احتلال 78 % من فلسطين التاريخية على يد العصابات الصهيونية وتأسيس الكيان عام 1948م، وتشريد ثلثي الشعب الفلسطيني من بيوتهم وقراهم ومدنهم ليتحولوا إلى لاجئين على أمل استيعابهم في المحيط العربي، وضم الضفة الغربية من قبل النظام الأردني وقطاع غزة من قبل الإدارة المصرية، كانت هذه الهجمة الأشد خطورة والتي اعتقد صنّاع القرار العالمي أنها كفيلة بمحو الشعب الفلسطيني للأبد وخلق واقع مستدام يقوم على التحالف بين الكيان والرجعيات العربية التي تم تسليم مصائر شعوب المنطقة لها من قبل الاستعمار البريطاني والفرنسي. لكنّ الجذور الراسخة في الأرض أبت إلا النمو، وبمرور السنوات أخذ الشعب الفلسطيني يكتشف حجم المشروع الاستعماري المناهض لوجوده، وإلى جانبه كل الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية كان لابد من مشروع سياسي واضح ينضوي تحته ملايين الفلسطينيين، وتدعمه الحاضنة العربية والإسلامية، إلا أن الواقع الديمغرافي الذي تمخّضت عنه النكبة وتقسيم الشعب الفلسطيني على أقاليم سياسية مختلفة (داخل الكيان، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الأردن وسوريا ولبنان) فرض على الشعب الفلسطيني أن يخوض معركة لاستعادة صوته وحقه بتمثيل نفسه من أطراف مختلفة، فالنظام الأردني ادّعى تمثيل الشعب الفلسطيني، وكذلك النظام المصري والسوري، ولم يكن قرار الجامعة العربية بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م سوى محاولة عربية لاستخدام القضية الفلسطينية كورقة سياسية، وإجهاض أي محاولة لخلق كيان فلسطيني مستقل، وما يدل على ذلك سلوك المنظمة بقيادة الشقيري خلال السنوات 1964-1968م، ومنع الأنظمة العربية إقامة دولة فلسطينية على ما تبقى من فلسطين قبل النكسة…بإمكاننا القول أن الشعب الفلسطيني عاش النكبة والنكسة سوياً منذ 1948م، عندما أَجهض الملك الأردني عبد الله والإدارة المصرية محاولات الحسيني بإعلان الدولة الفلسطينية على ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية.
بعد النكسة أيقن الشعب الفلسطيني أن شعارات الأنظمة العربية فارغة، وقرر بنفسه خوض معركة تحرير أرضه، وطَرحَ مشروع الدولة الواحدة من البحر إلى النهر وتصفية الصهيونية ومؤسساتها من أرض فلسطين، هذا هو جوهر الميثاق الوطني الفلسطيني، وهذا هو الحق المشروع لأصحاب الأرض مهما تغيرت الوقائع. على مدار السبعينات والثمانينات واجه الشعب الفلسطيني عشرات المشاريع لإجهاض ثورته، منها المملكة العربية المتحدة ومنها الوطن البديل ومنها عروض كامب ديفيد (مشروع ريغان، مشروع الملك حسين والكونفدرالية …الخ). إلا أن الشعب الفلسطيني أيقن بأن أي حل يؤدي إلى تهميش أو تفتيت الهوية والكيانية السياسية للشعب الفلسطيني يعني ببساطة تصفية القضية، وتحقيق ما عجز عنه الصهاينة والرجعيات العربية عام 1948م. من هنا ننطلق في رفضنا لاتفاق أوسلو وملحقاته، لأنه غير قابل للتطوير تجاه إحقاق الحقوق الفلسطينية، فمن جهة اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق “إسرائيل” بالوجود، مقابل اعتراف “إسرائيل” بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني !!! أي أن “إسرائيل” أخذت تنازلاً وموافقة على احتلالها لـ 78% من أرض فلسطين، لكنها لم تقدّم للجانب الفلسطيني أي شيء سوى وعود بالتفاوض إلى ما شاء الله …أزيد من 30 عاماً من التفاوض انخفض فيها السقف الفلسطيني ودخل فيها الشعب الفلسطيني في دوّامات داخلية، مقابل توسّع محموم لواقع الاحتلال بمستوطناته ومستوطنيه، بتهويد يومي للقدس وتغيير هويتها العربية والإسلامية، وبتطبيع لعلاقاته الدبلوماسية مع دول عربية وإسلامية.
هنا نتساءل: هل يحق لمنظمة التحرير الفلسطينية – التي لم تعد ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني منذ زمن طويل بسبب سياساتها وبنيتها الإقصائية – تخوين المقاومة الفلسطينية وشن حرب إعلامية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية ضدها ؟ دعونا نتذكر واقعنا في 6 أكتوبر 2023م، ألم تكن قضيتنا وشعبنا في أسفل سلم الأولويات الإقليمي والعالمي؟ ألم نكن شهوداً متفرجين على النقلات الأخيرة في مسار تطبيع “إسرائيل” لعلاقاتها ووجودها الغريب في المنطقة؟ لماذا يحق للسلطة الفلسطينية الاستئثار بمصير الشعب الفلسطيني وهو ذاته يرى أنها تتعاون مع الاحتلال وغير قادرة على منع الاحتلال من إقامة مستوطنة، أو قتل الفلسطيني ،أو أسره، أو تهويد عاصمته ؟ ما الذي يحمل الفلسطيني في أي مكان بالعالم على القناعة بأن الطغمة الحاكمة في الكيان ستقدم له حقوقه المسلوبة منذ أكثر من 75 عام وهي في أفضل حالاتها إقليمياً ودولياً وبدون أي ضغوط ؟ هل كان طوفان الأقصى جريمة بحق الشعب الفلسطيني أم ضربة في قلب المشروع الصهيوني الأمريكي؟
نسمع اليوم كلاماً جديداً على المستوى الدولي لم نكن نسمعه مطلقاً على مدار كل سنوات الاحتلال، الاعتراف العملي بدولة فلسطينية ! هل هذا الحديث هو نتيجة للدبلوماسية الفلسطينية العتيدة أم محاولة غربية لاحتواء نتائج طوفان الأقصى؟ هل هذه الدولة ستكون على حدود 4 يونيو 1967م أم على المقاس الإسرائيلي؟ هل هذه الدولة ستكون ذات سيادة كاملة أم مجرّد كيان إداري وظيفي يعنى بخدمات السكان؟ الحقيقة أن كل ما يجري اليوم على الصعيد الدولي من محاكمة للاحتلال ومن تشويه صورته وسمعته وفضح حقيقته رغم تفوّق ماكيناته الإعلامية ورغم تحريض القريب والغريب على مقاومة الشعب الفلسطيني، الحقيقة أن كل هذا لم يكن ممكناً دون طوفان الأقصى… إلا أن الخطير هو أن يتم التسويق لهذا الاعتراف باعتباره إنجازاً دون أن يتحقق، بمعنى أن تقوم منظمة التحرير بالموافقة على دولة دون حدود ودون عاصمة ودون سيادة، والاكتفاء بقرار دولي يقوم بترقية فلسطين من دولة مراقب إلى دولة عضو، وهو الأمر الذي لن يغير شيئاً على الإطلاق على أرض الواقع… صحيح أنه سيكون انتصاراً رمزياً ومعنوياً، لكن حجم التضحيات الفلسطينية وخاصة منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى لا يمكن بأي شكل من الأشكال اختصارها وتقزيم إنجازاتها بالذهاب طواعيةً نحو الفخ الصهيوني الأمريكي والقبول بصيغ فضفاضة وغامضة، تماماً كما حدث في أوسلو !!! الاعتراف بدولة، والطلب من الفلسطينيين التفاوض مع “إسرائيل” حول حدودها وعاصمتها وسيادتها، هو إجهاض لكل التضحيات ومصيبة لا تغتفر لمن امتهنوا درب التفاوض.
ما دفعني لكتابة هذا المقال هو بعض الإعلام الفلسطيني والعربي المتصهين الذي تحوّل لعدو حقيقي للشعب والمقاومة الفلسطينية يحرض عليها جهاراً نهاراً ويتهمها بأسخف وأغبى الاتهامات مستغلاً الوضع الكارثي الذي تسببت به حرب الإبادة الصهيونية والمعاناة الإنسانية لتسويق أكاذيبه وتحويلها لحقائق يبني عليها وجهة نظره التي يوجّه بها المنافقين وكل من له مصلحة ببقاء الاحتلال الإسرائيلي… كيف يستقيم لهذا الإعلام أن يعتبر نداءات المقاومة الفلسطينية للشعوب العربية بمناصرته تحريضاً ودعوة لزعزعة الاستقرار؟ ولماذا يتجنّد الناطقين باسم حركة فتح – التي لم تعد فتح المناضلة، بل تمت سرقتها وباتت قيادتها للأسف أداة من أدوات الاحتلال – للدفاع عن الاحتلال وتحميل حركة حماس مسؤولية كل جرائم الاحتلال ؟ لماذا يجب على كل فصيل فلسطيني أن يوافق على أوسلو – الذي لم يبق منه شيء أساساً – هل نصّ أوسلو على ذلك؟؟؟ وهل وافق الليكود كحزب صهيوني أو بقية أحزاب الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 1993م على أوسلو؟ أو هل فرضت الحكومات الاسرائيلية شروط على الأحزاب الصهيونية تتعلق بالاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه للمشاركة في حكومات “إسرائيل” – أسوةً بما فرضته السلطة على حركة حماس من شروط بعد فوزها بانتخابات عام 2006م – الواقع يقول غير ذلك تماماً، ففي الوقت الذي تفرض فيه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وفتح تحديداً شروطاً إسرائيلية أمريكية على أي فصيل فلسطيني – لا يتناغم مع مشروعها الاستسلامي – نجد أن الأحزاب الصهيونية تجاهر علناً بالتنكّر للشعب الفلسطيني وحقوقه للحصول على أكبر عدد من المقاعد في الكنيست الصهيوني! فعلاً معادلة مخزية ووقحة. لماذا يجب على الفلسطينيين تأمين الاحتلال ؟ هل يسمع قادة فتح اليوم أنفسهم ؟؟ كيف يستسيغ شعبنا أن يكون هؤلاء هم ورثة أبو جهاد وأبو إياد ؟ كيف أصبحت الخيانة عملاً يستحق المكافأة ويتم التسويق له، بينما مقاومة الاحتلال بكل الوسائل مهما كان الثمن فعلاً يستحق الإدانة والتنكّر؟ لقد أثبتت الأحداث التي ولّدها طوفان الأقصى قناعات الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، بأن صراعنا ليس فقط مع شذّاذ الآفاق وخريجي غيتوهات أوروبا، بل أيضاً مع طبقة انسلخت عن شعبنا واتخذت الاحتلال حليفاً لها وليدافع عن مصالحها وتتشدّق بأنها تمثل شعبنا وتدافع عن مصالحه !!! ومن وراء ذلك عالم ظالم ووقح دون حدود عندما يتعلق الأمر بحقوق الشعب الفلسطيني.
الحقيقة، أن “إسرائيل” اليوم ليست ذاتها عام 1948 أو 1967، ولا أقصد هنا قوتها العسكرية أو الاقتصادية أو الإعلامية وعلاقاتها الدبلوماسية… بل أقصد “إسرائيل” نفسها ككيان استعماري، بدأ يشهد تحولات دراماتيكية داخلية منذ أكثر من 30 عام، إن خارطة النفوذ الداخلي في “إسرائيل” باتت تميل بشكل واضح لصالح اليمين الصهيوني الديني المتطرف، والصراع الداخلي على هوية “إسرائيل” يتعمق كل يوم، وليس الخلاف بينهم على ما يتعلق بالقضية الفلسطينية مطلقاً، فهذه مسألة إجماع صهيوني برفض قيام أي كيان فلسطيني بين البحر والنهر، لكن الخلافات هي على طبيعة “إسرائيل” وهامش استقلاليتها عن داعميها الغربيين. بالمقابل نجد من بين صفوفنا الفلسطينية “أفراداً” متنفذين ويتعاونون مع الاحتلال للحفاظ على مصالحهم وارتباطاتهم الاقتصادية… أفراد يسيطرون على مفاصل أساسية في حركة الشعب الفلسطيني، باتوا طبقة واسعة … وزراء وسفراء وقيادات أمنية وإعلاميين… إن العائق الوحيد أمام تطوير طوفان الأقصى لم يكن سوى القيود التي فرضتها سلطة أوسلو على شعبنا الفلسطيني عبر عشرات السنين بمحاربتها للمقاومة قولاً وفعلاً، فحتى التظاهر السلمي ضد الاحتلال بات خطاً أحمر، والإضرابات الشعبية والطلابية تساوق مع الاحتلال حسب قاموس أوسلو! كذلك نحن لا نعيش على القمر!!… بل ضمن بيئة عربية بات الترويج فيها للترفيه والتسخيف ركناً أساسياً، وأصبح المواطن الصالح هو ذاك الذي يصمت على الذل والهوان ويرى مستقبل وطنه وأولاده يتحطم كل يوم أمام آلة الفتك الإسرائيلية. من المسؤول عن الوضع الاقتصادي المزري في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة حتى قبل طوفان الأقصى ؟ هل هي المقاومة الفلسطينية؟ من المسؤول عن الفقر والجهل والتهميش وخلق جيل من المتسلقين والمنافقين المصفقين “السحيجة” ؟ ثم ما هي جريمة المقاومة الفلسطينية بالنسبة للإعلام العربي المتصهين، هل هي علاقاتها بإيران ؟ هل المقاومة الفلسطينية هي المسؤولة عن عدم وجود مشروع عربي في المنطقة التي يتصارع فيها المشروع الصهيوني مع الإيراني والتركي؟ هذا الإعلام الوقح الذي يعتبر أن المقاومة الفلسطينية “حركة حماس تحديداً” هي أداة بيد إيران، يتقصد إغفال حقيقة أن حماس رفضت إملاءات دمشق وطهران واختارت الانحياز للشعب السوري رغم معرفتها بالتكلفة الكبيرة لذلك! حماس لم تقدم لطهران أي خدمات ويكذب من يقول غير ذلك… وأن تقوم طهران باستغلال إعلامي لدعمها للمقاومة الفلسطينية لتبرير سياساتها في الدول العربية فهذه مسألة على الدول العربية نفسها أن تواجهها، هذه الدول التي تفرّجت على العراق وهو يذبح ويتم تسليمه لإيران… هذه الحكومات التي تقيم علاقات دبلوماسية واقتصادية مع إيران (الإمارات الشريك التجاري الثاني لإيران) ورغم كل التحريض لم يصدر عن حركة حماس مطلقاً أي بيان أو فعل سياسي ضد أي دولة عربية سواء تلك المتضررة من سياسات إيران بشكل مباشر أو تلك البعيدة عن هذا الضرر… وإذا اعتبرت هذه الحكومات رفض الفلسطينيين للتطبيع تحريضاً عليها فهذا والله مصيبة المصائب، كيف لكم أن تطالبوا الفلسطيني بالقبول بتحويل كيان استعماري عنصري إلى كيان طبيعي في المنطقة وعلى حساب مقدساته وحقوقه التاريخية وكرامته ؟ ولماذا لا يشمل الأمن القومي العربي الشعب الفلسطيني؟ إن التذرع بأن التطبيع هو لمصلحة الفلسطينيين واستجابة لضرورات الأمن القومي العربي، هو طرد للفلسطينيين وعدم اعتراف بحق عروبتهم وإسلامهم؟ إن الأمن القومي العربي المزعوم لم يتم تفعيله بوجه “إسرائيل”، بل تتسابق الأنظمة العربية لتقديم مشاريع وتسويقها للتطبيع مع الاحتلال، وتتمادى في عدائها لكل فلسطيني يرفض أن تقرر أنظمة أخرى بالنيابة عنه ما هو حقه وكيف يجب أن يدافع عن نفسه! لماذا يجب على الفلسطيني أن يتبنى أعداء الحكومات العربية كأعداء له، بينما أعداء الشعب الفلسطيني مرحّب بهم في هذه الدول !! إذا كان النظام العربي الرسمي يعتبر إيران خطراً على الأمن القومي العربي لأنها تمارس سياسة لا تناسب مصالح الحكومات العربية، فالأولى أن يعتبر هذا النظام الرسمي أن العدو الأول هو الكيان الصهيوني باعتبار أن كل الشعوب العربية وعلى رأسها الفلسطيني عانت وتعاني من جرائم الصهيونية وتدخلاتها واغتيالاتها وتدميرها وسرقتها لمقدرات المنطقة… هذه النقطة بالضبط تكشف زيف ادعاءات كل من يحرّض على المقاومة الفلسطينية ويتهمها بأنها دمية بيد إيران. مقارنة بسيطة توضّح أن الحكومات العربية لا تنطلق في فعلها السياسي والاقتصادي من اعتبار الفلسطينيين شعباً عربياً ومسلماً يعاني من الاحتلال الأكثر إجراماً في التاريخ، ففي الوقت الذي تقتل فيه العصابات الصهيونية الفلسطيني وتسرق أرضه وتشرّده وتهوّد مقدساته وتمحو تاريخه، تدعو الحكومات العربية الفلسطيني للتفاوض مع هذا الكيان لتحصيل حقوقه دون حتى أن تدعمه بالضغط على الاحتلال ومقاطعته سياسياً واقتصادياً وإعلامياً… بالمقابل، فإن الدول العربية هي دول مستقلة ومستقرّة ولها اقتصاداتها وجيوشها وعلاقاتها، إلا أنها تعتبر أن المقاومة الفلسطينية خطراً عليها، والأغرب أن يتقدم فلسطيني للحصول على تأشيرة لزيارة بعض هذه الدول فيتم رفضه وقبول زيارة الإسرائيلي بدون تأشيرة حتى !!! فلتتفضل الحكومات العربية بدعم المقاومة الفلسطينية إعلامياً على الأقل ولتسحب البساط من تحت إيران، لسنا مغفلين ونعلم أن إيران لها مشروعها في المنطقة، ولكننا كفلسطينيين نعتبر أن العدو الأول لنا ولكل مسلمي وشعوب العالم هو الكيان الصهيوني، لذلك من حقنا مقاومته، ومن يريد دعمنا فليوقف التحريض على مقاومتنا والتطبيع مع عدوّنا. لماذا يحصر الإعلام المتصهين خياراتنا بين الاستسلام والاستسلام ؟ لماذا يعتبر أن أي مقاومة للاحتلال جنون وانتحار وخيانة؟؟
يعتبر العقل الصهيوني أن فلسطين انتهت عام 1948، حينما تقاسمت العصابات الصهيونية والنظام الأردني والإدارة المصرية في حينها أرض فلسطين التاريخية، ولم تنجح محاولات النظام العربي الرسمي في الحفاظ على 22 % من فلسطين، بل خسر أيضاً سيناء والجولان وجنوب لبنان … فلماذا يجب على الفلسطيني أن يعيد الثقة بمن يحرض عليه جهاراً نهاراً، ويعتبر التضامن الإنساني معه على وسائل التواصل الاجتماعي جريمة لا تغتفر… كيف بات طبيعياً أن تستضيف قنوات “عربية” قيادات فلسطينية للتحقيق معها وكأنها خائنة في الوقت الذي يدافع فيه رجال الله في غزة عن شرف أمة المليارين!!! وكيف لهذا الإعلام المتصهين أن يطلب من هذه القيادات تقديم الإثباتات بأن مقاومتها مشروعة وأن هناك احتلال جاثم على صدور أبناء الشعب الفلسطيني ولا يفهم إلا لغة القوة؟؟ ما نعيشه اليوم على مستوى الإعلام العربي المتصهين هو جزء من بركات طوفان الأقصى الذي كشف حقيقة الناس إلى فسطاطين، أحدهما يقف مع الحق وبالوسائل المتاحة، والآخر يقف مع الظالم ويساعده لضرب المظلوم ومحاصرته وشيطنته… الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها هو أن طوفان الأقصى دمّر أسطورة الجيش الذي لا يقهر وحطّم الأسوار التي يحتمي بها الكيان وكشفه على حقيقته بشكل فاضح، باعتباره كياناً عنصرياً تشرف عليه الولايات المتحدة الأمريكية وتضمن له الأمن بالتعاون مع حلفائها في المنطقة… هذا هو ما يفسر حرب الإبادة المدعومة دولياً وإقليمياً والتكالب العلني على المقاومة الفلسطينية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن عبثاً فالله غالب على أمره، ولن يكون النصر إلا حليفاً لشعبنا ومقاومته، سواء كان ذلك قريباً أو بعيداً، سواء كثرت التضحيات أو قلت، سواء تهافتت مشاريع إجهاض نتائج الطوفان أو ضنّت، لن تستقيم الأمور إلا بحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه بتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس وعودة ملايين اللاجئين لبيوتهم وقراهم التي طردوا منها بالقوة عام 1948.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

لماذا يتردد ترمب في شنّ هجوم على إيران؟!

د.جلال جراغي* بعد التحشيدات العسكرية الأمريكية غير المسبوقة في المنطقة، من إرسال حاملتي طائرات وبوارج …