خالد شــحام*
أتحفتنا منظمة الأمم المتحدة بالأمس بإعلانها وضع جيش المخربين الصهيوني ضمن قائمة الجيوش (المرتكبة لإنتهاكات ضد الأطفال ) أو قائمة العار الإنساني ، تطلب هذا الإعلان الخجول والمتردد سقوط ما يقارب 17 ألف طفل فلسطيني ضمن 50 ألف شهيد داخل غزة ، وثمانية أشهر من القتل اليومي والقصف والتجويع وممارسة كل أنواع الجرائم ضد شعب أعزل محاصر في أقذر عدوان يشهده التاريخ .
لقد اصبح لزاما على مجتمعات الثقافة والصحافة و كتاب الرأي والتحليل السياسي وسائر راصدي التاريخ الذين يتمتعون ببعض النزاهة ان يضعوا قاموسا خاصا للمفردات والتسميات الدقيقة الملائمة للعدوان الإرهابي على غزة والتي تمنحه التجسيد الذهني المتوافق مع تفاصيل الجريمة التاريخية ، لقد أصبح لزاما وضع المصطلحات التي تصف الجريمة بكل أبعادها وتفاصيلها ووضع مصطلحات أخرى لوصف نوعيات وكميات الخيانة والخذلان والتآمر الذكي وثالثة لوصف الوضاعة العالمية والنفاق والجبن السياسي والاحتيال على الوعي الذي يغشى عالم اليوم ، لا يمكن الفصل بين اللغة الصحيحة كأداة للمقاومة وبين اليد التي تحارب على الأرض ، تماما كما لا يمكن الفصل بين عيون الأطفال الشهيدة في غزة وعيون جهنم المستعرة التي تحدق في هذا العالم .
ليس هذا العالم مجحفا وظالما فحسب بل هو كائن غادر، ضميره مدفون تحت كفن اسمه الدولار، بطيء المشاعر وثقيل الفهم، لقد تحولت انسانيته إلى صنم تقدم له قرابين العدالة والسعادة والقيم السامية التي يضحى بها كي تبقى كينونة الشَّر و الضلال والجريمة حاضرة وحاكمة، غزة تنزف وحيدة امام هذا العالم المتفرج لتعلن بأن هذه هي حرب الانحطاط الإسرائيلي في سنة القتل الأمريكية بكل عظمتها وشخوصها والمتفرجين على الحلبة فيها ، هذه هي سنة ملوك الطوائف بالنسخة الأحدث من الردة والخيانة والعمالة والتآمر على شعوبهم ، هذه هي سنة العجز والعاجزين ولكنها سنة المعجزات أيضا.
ها هي حرب الانحطاط الاسرائيلية بجدارة أمام اعينكم حيث يمكن قتل أربعين بريئا في ثانية واحدة بقصف مدرسة تؤوي بعض المعذبين في الأرض من النساء والأطفال، ها هي حرب الانحطاط الإسرائيلي الذي يقصف المشافي ويدفن المرضى وهم أحياء ويمنع الدواء والغذاء والماء ويقود مجاعة القرن، ها هي حرب الإنحطاط الاسرائيلي الأكثر كفرا والتي تقترف جرائم لم يكن تصورها يوما ما، ها هي حرب الانحطاط الإسرائيلي بجدارة حيث مارس الهمج كل أشكال المحرمات على مرأى العالم واغتالوا جمال الحياة وبراءة ظواهرها.
في داخل حرب الانحطاط يريد الجيش الأكثر وساخة أخلاقية ان يفقد الطفل طفولته داخل غزة، يريدون أن ينتزعوا أنوثة المرأة الفلسطينية داخل الحطام وفي أوكار النزوح ، يريدون سرقة ورجولة شباب ورجال غزة ، يريدون أن تصبح الخيانة والاستعباد والخضوع المذل وسيلة نجاة أمامهم ، يريدون وأد الأمل في شعوب العرب، لكن المقاومة كسرت حاجز الإنحطاط وتوقدت سراجا وهاجا ، وسُيِّرَت جيوشُ العربِ فكانت سرابا .
في داخل العقلية الصهيونية التي تجثم على صدر الأرض الفلسطينية ثمة معالم مشتركة ثابتة منذ أقيم هذا الكيان لا يمكن أن تُستبدل أو تفنى مهما تبدل المجرمون أو تغير الخطاب ، هذه المعالم لا تتعدى ذلك المنطق البسيط الذي جاءت به العصابات الأوروبية المتصهينة التي افتتحت كازينو الحلم الصهيوني على أرض فلسطين، الهاجاناة، شتيرن، الارجون، هذه المعالم هي: عقيدة العنف المفرط المسنود بنصوص بائدة باطنية ،الإرهاب لأنهم مصنعوه ومصدروه ، الدعم اللامحدود مع الغطاء السياسي الغربي، الكذب الممتد أفقيا وعموديا والمدعوم بمأسسة كاملة، عادة مثل هذه المعالم التي لا يمكن تمييز الجزء السياسي من السيكولوجي أو الاجتماعي منها لا يمكنها صناعة دولة ذات قيم أو تاريخ أو ضمانات بقاء في خطط المستقبل، يمكن لهذه المعالم أن تصنع أي شيء ، من مثل نظام فيه عسكر و مدن وحداثة ومؤسسات وانتخابات وقيادات ورفاه وخطط مستقبلية ، لكنها عاجزة عن التصرف ضمن شروط هذا المظهرالمزيف لأن الجوهر مليء ومؤسس تماما ببذاءة وقبح تاريخيين لا فكاك منهما مما يتيح لهذين المكونين التسلل من قاع التاريخ نحو سطح الحاضر وتطفو الزعرنة الوجودية والعربدة المكانية التي تناقض قوانين البقاء ، لهذا السبب لا يمكن لدولة بهذه المواصفات أن تعقد حربا طويلة النفس إلا بشق الأنفس ومع اسنادات هائلة ودعم عاطفي مفتوح لأن نفس الزعرنة والتهديد والوعيد سريع النفاذ ويحتاج وقودا داعما ومؤازرا بأكثر مما يحتاج وقودا وذخائر للطائرات التي تقصف .
لا يمكن لدولة كهذه أن تقود تغييرات جذرية حقيقية في المنطقة المحيطة بها ، كل ما ينتج عنها هو برامج قائمة على الأذى والإفساد للبيئة المحيطة وتخريب العنصر الآدمي في كل مكان ضمانا لإضعافه في لحظة المواجهة أو الصحو ، دولة بمثل هذه المواصفات تكون تصريحات المسؤولين والقياديين فيها عبارة عن كلمات تهديد ووعيد دائمين مستندين إلى روح المعالم الداخلية التي تأسست عليها هذه الدولة وغالبا ما تؤول هذه التصريحات الضخمة إلى التقزيم ثم التلاشي في سلة المهملات ، دولة مثل هذه لا يمكن لها أن تتحضر أو يصبح مستوطنوها جزءا من البشرية العالمية بل على العكس دوما ما تتسلل جينات الزعرنة والانحطاط كي نرى سلوكا كما أظهرته احتفالية المستوطنين ب(مسيرة الأعلام ) وهم يعتدون ويرقصون في باحة باب العامود في القدس وبالتالي سرعان ما يكتشف العالم نوعا من الطفيليات الدنيئة التي تعتاش على آلام الشعوب وعذاب الأمم .
نسوق هذا الكلام لكي نمعن في فهم المشهد المركب الذي يجري هذه الأيام مع الهدنة المراوغة التي يدفع بها سيادة الرئيس مع دخول العدوان قسطه التاسع في الجولة المفتوحة ، تركيبة غرائبية نرى فيها عجائب التشوه والامتساخ السياسي المتناسب مع زمن الصغار والهزلان ، حيث يتبنى رئيس الولايات المتحدة مقترحا اسرائيليا لإيقاف الحرب ويظهر بهيئة المتحدث الرسمي للحكومة الصهيونية ، ثم بقدرة قادر يصطف العرب والغرب معا لترديد جوقة الهدنة والضغط على المقاومة لكي ترضخ وتقبل بإملاءات العصابة ، في خلف الستارة يمارس الرئيس لعبة الغميضة مع الأزعر رئيس العصابة المجرم ضمن حقبة وزمن الأقزام والتقزم وفهم مشقلب للمصالح الانتخابية والاقليمية للولايات المتحدة التي عجزت عن اخراج رئيس أو شخص أو قرار يتناسب مع الدعائية الأمريكية بريادة وزعامة هذا العالم ، ضمن هذا المشهد الغرائبي تبدأ العصابة الصهيونية بمعارضة المقترح والتمنع ووضع المسامير في الإطار المطاطي المنفوخ لهذا المقترح وبمعية ذلك يشن الكيان – وفقا للملامح الداخلية – حملة جديدة من القتل والقصف والعربدة المشبعة لشهوته الجينية في ممارسة سلوك العصابات والإغراق في العنف الدموي واللاإنساني .
ما المراد الوصول إليه من كل ما سبق ؟ ، نعم المراد الوصول إليه هو أن هذه العصابة تلعب لعبة عسكرية أضخم مما تسمح به مؤهلاتها الجذرية المبيتة في جينات المولد ، لقد كسر بيبي في سعيه للمجد والعظمة الاسرائيلية كل قواعد البقاء الخفية وأعماه مزيج الجنون والكفر بالبشرية عن رؤية خطوط السكة الاسرائيلية السياسية الصحيحة التي كان يمكن لها أن تنجيه هو ودولته وعصاباته ، لكن بيبي تجاوز الزمان والمكان وجلب إلى قومه ودولته سوء الطالع ووضع نفسه حيال مآزق أكبر حجما بكثير مما يرغب به سيده وراعيه والمنفق عليه ، يدرك سيده في هذه اللحظة المفصلية بأنه لا بد من تدخل ما للإنقاذ قبل أن يتفكك كل شيء ، لذلك فندما تعلن حكومة العدو بأنها ترفض ارسال وفد للتفاوض فهذا يعني بالصورة المقلوبة في المرآة بأنهم مستميتون للتفاوض لأن الخسائر تجاوزت المسموح ، وعندما يعلن عضو كاخ المجرم الأشقر بأنه سيعمل على تفكيك السلطة الفلسطينية فهذا يعني تماما بأنهم أشد حرصا عليها من حرصهم على وحدة مجتمعهم ، وعندما يعلن بيبي بأنه سيذهب الى النهاية في القضاء على المقاومة فالحقيقة بأنه تحول إلى بعوضة متطفلة تحاول لدغ جلد المقاومة دون أي أثر .
لقد وصلت المعركة إلى نهايتها بعكس ما يظن الكثيرون ، بل هي انتهت قبل شهرين كما صرح أحد رجالاتهم وما تبقى هو مجرد حصاد برنامج انتخابي أمريكي – اسرائيلي قائم على الدم الفلسطيني وإباحة كرامة الدول العربية التي حصدت هزيمة اخلاقية لا تقل عن هزيمة كل المؤامرة على غزة وشعب فلسطين .
في جانب أخر وضمن بدء مرحلة الإفلاس واليأس من تحقيق شيء ، يدعي جيش المخربين بصحبة استخباراته وكتبته بأنه تم الاستيلاء بالكامل على محور صلاح الدين والعربدة على السيادة المصرية التي التزمت الصمت ، اعلن أيضا اكتشاف شبكة الأنفاق التي تمنح المقاومة الفلسطينية هامشا من الدعم والمناورة والحصانة ، إنهم يعلنون مزيدا من الفشل من خلال روح الكذب والتزييف المتأصلة في جينات البداية ، شبكة الأنفاق الحقيقية التي يبحث عنها العدو وجيش المجرمين لا توجد تحت أرض غزة ، مترو حماس الذي رسموه وصوروه على أنه أهم أسلحة حماس لا يشكل حقيقة القوة ولا حقيقة الصراع ولا حتى حقيقة خسائر العدو ، شبكة الأنفاق الحقيقية التي تروح وتجيء فيها المقاومة الفلسطينية وتناوركم فيها أكبر بكثير من مجرد ممرات ودهاليز تحت الأرض ، شبكة الأنفاق الحقيقية للمقاومة الفلسطينة هي ممرات القلب بين هذا الشعب الصامد وبين شرايين جنوب لبنان المناضل وكل ابطال حزب الله الذين اعادوا الالتحام بين خلايا الجسد الواحد ، مترو حماس الذي حفرته الأيدي المجاهدة الصابرة طيلة عذاب من سنين لا يكفي لتفسير هزيمتكم المدوية ، هنالك مترو اكثر منه أهمية أقامه أنصار الله الأبطال بين اليمن العظيم وفلسطين الحرة ، مترو من جسور الأخوة والايمان والنصرة والمصير الواحد الذي أقره عظماء هذه الأمة ، هذا هو رسم شبكة الأنفاق السرية التي يستحيل عليكم كسرها أو هزيمتها ، المقاومة الفلسطينية تعدت أرض غزة وفلسطين وخرجت تماما من أية احتمالات للسقوط أو الخسارة ، هذه المقاومة وشبكة الأنفاق السرية والمعلنة التي تكونت عبر العالم نحو غزة تؤكد أن لا سبيل لهزيمة هذا الصعود ولا سبيل أمامكم سوى الاستسلام القريب أمامه مهما طال الزمان أو طالت المعركة .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر