الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / اولمبياد باريس ..الحقوق الإنسانية على الحائط!

اولمبياد باريس ..الحقوق الإنسانية على الحائط!

امال سبتي*
المقدمة
الألعاب الأولمبية ليست مجرد حدث رياضي عالمي، بل هي منصة لتعزيز القيم الإنسانية مثل العدالة والمساواة والاحترام. في ضوء الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على غزة في 7 أكتوبر وما تلاها من قتل لآلاف المدنيين الفلسطينيين، تتزايد الدعوات لإقصاء إسرائيل من أولمبياد باريس 2024. تبرز هنا تساؤلات حول مدى انسجام مشاركة إسرائيل مع القيم الأولمبية في ظل هذه الانتهاكات الجسيمة. هذا المقال يهدف إلى مناقشة مبررات ودوافع هذه الدعوات، وتقييم موقف المجتمع الدولي، مع التركيز على العدالة لفلسطين.
القسم الأول: خلفية تاريخية
منذ انضمامها إلى الألعاب الأولمبية في عام 1952، كانت مشاركة إسرائيل مثيرة للجدل نتيجة لسياساتها وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا الجدل قد انعكس في العديد من المناسبات حيث قررت بعض الدول والرياضيين مقاطعة المنافسات احتجاجاً على سياسات إسرائيل. على سبيل المثال، في الألعاب الأولمبية لعام 1976 في مونتريال، قاطعت 26 دولة أفريقية الدورة بسبب مشاركة نيوزيلندا التي كانت قد شاركت في مسابقات رياضية في جنوب أفريقيا، وكان ذلك ضمن احتجاج أوسع ضد العنصرية والفصل العنصري. في هذا السياق، قاطعت العديد من الدول العربية والإسلامية بعض الألعاب الأولمبية حين كانت هناك احتمالات لمواجهة رياضييها مع رياضيين إسرائيليين. منذ الثورة الإسلامية في 1979، قاطعت إيران بشكل رسمي أي مواجهة رياضية مع رياضيين إسرائيليين، وفي الألعاب الأولمبية، اتبعت إيران سياسة الانسحاب من المنافسات التي تجمعها بإسرائيل كجزء من احتجاجها ضد سياسات الدولة الإسرائيلية.
أحد الأمثلة البارزة على الرياضيين الذين قاطعوا المنافسات مع إسرائيل هو فتحي نورين من الجزائر، الذي انسحب من أولمبياد طوكيو 2020 ليتجنب مواجهة رياضي إسرائيلي، مبرراً قراره بالاحتجاج على الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وأيضاً، الجودوكاي السوداني مصطفى عبد العال انسحب في نفس الأولمبياد للسبب ذاته، لتجنب مواجهة رياضي إسرائيلي. تعكس هذه المواقف مشاعر التضامن مع القضية الفلسطينية ورفض الاعتراف بشرعية الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، حيث يستخدم بعض الرياضيين والدول المشاركة في الألعاب الأولمبية كمنصة للتعبير عن احتجاجهم ضد سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين.
القسم الثاني: مبررات الدعوات لإقصاء إسرائيل
تستند الدعوات لإقصاء إسرائيل من أولمبياد باريس 2024 إلى مجموعة من المبررات الواضحة. أولاً، استمرار الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، من القتل العشوائي إلى التمييز العنصري والاعتقال التعسفي. ثانياً، تكرار عمليات القمع والتهجير القسري للفلسطينيين، مما يتناقض مع القيم الأولمبية التي تدعو إلى السلام والاحترام المتبادل. وأخيراً، فإن السماح لإسرائيل بالمشاركة يعتبر تطبيعاً مع هذه الممارسات وتجاهلاً للمعاناة الفلسطينية. تستند هذه الدعوات إلى وقائع واضحة وصارخة تشير إلى انتهاكات حقوق الإنسان المستمرة من قبل إسرائيل في الأراضي المحتلة، وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة والإنسانية التي تتبناها الحركة الأولمبية.
في هذا السياق، طالب نواب معارضون في فرنسا اللجنة الأولمبية الدولية بفرض عقوبات على إسرائيل في أولمبياد باريس 2024، التي ستستضيفها بلادهم صيف العام الجاري. وجاء ذلك في رسالة أرسلها 26 نائبًا من حزبين يساريين إلى رئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ، وفقًا لما جاء في صحيفة القدس العربي. وأدان هؤلاء النواب في رسالتهم إلى باخ جريمة الحرب غير المسبوقة التي ترتكبها الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. هذه المطالبات تأتي كجزء من حملة أوسع تهدف إلى تسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية والمطالبة باتخاذ إجراءات فعالة للضغط على إسرائيل للالتزام بالقوانين الدولية وحقوق الإنسان.
القسم الثالث: موقف المجتمع الدولي
تتباين مواقف الدول تجاه الدعوات لإقصاء إسرائيل من الألعاب الأولمبية، حيث تدعم بعض الدول والهيئات هذه الدعوات استنادًا إلى الانتهاكات المستمرة لحقوق الفلسطينيين، بينما ترى دول أخرى أن الرياضة يجب أن تبقى محايدة وغير متداخلة مع السياسة. اللجنة الأولمبية الدولية تتخذ موقفاً حذراً، محاولاً الموازنة بين القيم الرياضية وضغوط الدول الأعضاء، لكن الضغط السياسي والدبلوماسي قد يؤثر على قراراتها. في المقابل، يُثار جدل حول قرارات اللجنة البارالمبية الدولية بمنع رياضيي روسيا وبيلاروسيا بسبب الأزمة الأوكرانية، في حين ترفض اللجنة فرض عقوبات على إسرائيل رغم العدوان المستمر على غزة الذي أدى إلى مقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين، بينهم رياضيون. هذا التباين في التعامل يكشف عن ازدواجية معايير ويثير تساؤلات حول تأثير الحروب والصراعات السياسية على المشاركة الرياضية، حيث تُظهر اللجنة موقفاً صارماً ضد روسيا وبيلاروسيا مقابل تساهلها مع إسرائيل، ما يعزز الانتقادات بشأن تأثر القرارات الرياضية بالضغوط السياسية.
القسم الرابع: التداعيات المحتملة لإقصاء إسرائيل
إقصاء إسرائيل من أولمبياد باريس 2024 قد يحمل تداعيات واسعة. سياسيًا، يمكن أن يزيد التوتر بين الدول المؤيدة والمعارضة لهذه الخطوة، حيث تستند الدول الداعمة للإقصاء إلى سجل إسرائيل في انتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين، بينما ترى الدول المعارضة أن الرياضة يجب أن تبقى محايدة وغير متداخلة مع السياسة. هذه التوترات قد تؤدي إلى انقسامات أعمق في المجتمع الدولي وتؤثر على العلاقات الدبلوماسية بين الدول.
من الناحية الرياضية، قد يؤدي هذا القرار إلى إعادة النظر في المعايير الأخلاقية للمشاركة في الأحداث الرياضية العالمية، مما يعزز دور الرياضة كمنصة للتعبير عن القيم الإنسانية العالمية. ومع ذلك، يُثار جدل حول ازدواجية المعايير، خاصة مع منع رياضيي روسيا وبيلاروسيا من المشاركة بسبب الأزمة الأوكرانية، في حين لم تفرض اللجنة الأولمبية الدولية أي عقوبات على إسرائيل رغم العدوان المستمر على غزة. رغم هذه التداعيات، فإن خطوة إقصاء إسرائيل ستحمل رسالة قوية وواضحة: لا مكان لانتهاكات حقوق الإنسان في الساحة الرياضية العالمية.
الخاتمة
في ختام النقاش حول دعوات إقصاء إسرائيل من أولمبياد باريس 2024، يظهر بوضوح التناقض بين القيم الأولمبية وممارسات إسرائيل. تحقيق العدالة لفلسطين يتطلب تبني موقف دولي حازم ضد الانتهاكات الإسرائيلية، وإذا كانت الألعاب الأولمبية تهدف فعلاً إلى تعزيز السلام والعدالة، فقد يكون استبعاد إسرائيل خطوة ضرورية. يجب أن يتبنى المجتمع الدولي حواراً جاداً للوصول إلى حل عادل ومتوازن يحترم القيم الرياضية وحقوق الإنسان. إن إحلال السلام والعدالة يستلزم التصدي للانتهاكات الجسيمة بلا تحفظات، وهو ما ينبغي على الجهات الرياضية والسياسية أن تعكف على تحقيقه بكل جدية وإصرار.
*كاتبة تونسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …