علي الزعتري*
هذه محاولةٌ للاستشرافِ قد يرى فيها البعض منطقاً معقولاً وقد لا يرضون عنه.
هل نرى انحسار طوفان الأقصى أم أنه يفور من منبعهِ ويمتد؟ في الطبيعةِ لكلِّ طوفانٍ بدايةً ونهايةً موسميةً فيها تنتقل الأرض فجأةً طبيعيةً من الجدب للارتواء الذي قد يجلب الخراب ثم انحسار الطوفان والاستفادة مما جاء به من الطمي وإزالةَ آثارهِ ثم الجدب. هذه هي سُنَّةُ الحياة في الطوفان أو الفيضان. يندفعُ الماء من أريتريا باتجاهِ كسلا السودانية ليشكل نهر القاش وفيضاناً لأربعة أشهرٍ خصبة ثم ينشف باقي العام. يزرع ويحصد الناس هناك ثم يعطشون. طوفانُ الأقصى طوفانٌ من دمٍ ودموعٍ. من صعودِ معنوياتٍ وهبوطها. من انكشافِ مواقفٍ و انكسارِ توقعات. من صمودٍ إنسانيٍّ لا يتحمله أي بشر و يحمله أهل فلسطين بحسبنا الله ونعم الوكيل. طوفانٌ يتلاعب بنا، فهل نحسبهُ نصراً وبدايةً أم هباءً و نهايةً؟
بدأ الطوفان من غزة بالتوقع أنه سيجف مع الهجوم الإسرائيلي ولكنهُ لم يتوقف. وفي الواقع أنه لم يبدأ هكذا في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ بل بدأ عندما أدرك بعض العرب والفلسطينيين أنهم في عين المشروع الصهيوني منذ بدايات القرن العشرين. منذ تلك اللحظات بدأ التنور يفور والطوفان يزخمُ ويهدأُ لكنهُ لم يكن ليقف بوجه الإعصار الصهيوني الذي ابتلع فلسطين. اليوم يتم دعم الطوفان من جنوب لبنان وجنوب البحر الأحمر و العراق غير الرسمي ومن مدنٍ ومخيماتٍ بفلسطين. لكن رفده بالمدد الذي يحوله نهراً دافقاً يطغى على الاحتلال متوقفٌ عربياً بل أن الدول العربية بما فيها السلطة الفلسطينية تعمل لعكس اتجاههِ وتجفيف منبعه وروافده. كأنهُ ذات المشهد يتكرر. وللآن لا يمنع دعم محور المقاومة الهجمة الصهيونية الماضية دون ترددٍ في تجريف الحياة في غزة والجنوب اللبناني وفي سوريا وفي اليمن والتقاط المقاومين بالاغتيال في كل مكانٍ يحلو لها. وعلى الرغم من التخطيطِ الفلسطيني للصمود في غزة فالواقع يقول أن الخسائر البشرية والمادية المدنية لا يمكن إلا أن تكون عاملاً لهُ سلبيةٌ في دوام عنفوان الطوفان. كما أننا لا نعلم عن المخزون التسليحي في غزة وقدرة المقاومين تحقيق نتائج تغير الواقع. للآن، نتائجه فلسطينياً وجنوب لبنانياً دمارٌ هائلٌ في غزة وضحايا بعشرات الألوف أغلبيتها بفلسطين. تتصدع فيه بعض التحالفات الصهيونية ويخسر اقتصادها لكنها لا تسقط بفضل الدعم الدولي لها. بل أن المأمول فيه دولياً هو القضاء على المقاومة و إبعاد النتن ياهو عن السياسة لفتح المجال أمام تسوياتٍ تضمن أمن إسرائيل و تخدير الفلسطينيين بالحياة وإن كانت غير عادلة بينهم وبين المستوطنين. ولهذا نحن نقف أمام حالاتٍ متضاربة: صمود مقاومة و دمار غزة وجنوب لبنان مع خسائر مدنيةٍ مهولة، و إن يصحبه تخلخلٌ صهيوني فهو لا يردعهُ عن استمرار الجريمة، و دعمٌ دوليٌّ لإسرائيل لا يرعوي ولا يخجل، و هوانٌ عربيٌّ جماعيٌّ في انسحاب العرب من اتخاذ مواقف مثل نقض المعاهدات بكل بنودها على الأقل إن لم يكن تدخلاً عسكرياً، و توافقٌ لمحور مقاومة لا يجد العون العسكري إلا عند إيران، التي لها حساباتها الدقيقة، ولا يؤثر في إسرائيل كما تتمنى الشعوب الحرة.
لكن طوفاناً يثور داخل فلسطين. ليس عبرها من البحر للنهر بل بمناطق محددة هي المخيمات وبعض المدن بجانب خمولٍ للسلطة الفلسطينية لدعم انتفاضةٍ عارمة و بموازاةِ مساعٍ لها للحلول في غزة في لحظةٍ مُفجعةٍ لاقتناصِ فرصةٍ لإزاحة “حماس”. تعاجلُ إسرائيل في الهجوم على المخيمات و بعض المدن لوقفِ المقاومة بكل قوةٍّ جارفةٍ عيْناً فهي لا تقتل وحسب بل تجرف الطرق والمنازل وتقفل المستشفيات وتُهَجِّرَ السكان. فهل سيكتسب فيضان المخيم والمدينة مدداً داخلياً فلسطينياً يمكنه من الاستمرار وكيف؟ هل يكون له دعمٌ عربيٌّ؟ أم أنه إيرانيٌ بالتهريب وكيف، كما يقول الإسرائيليون، وكيف نرضى بدعمٍ غير عربيٍّ أساساً؟ والإجابات هنا واضحةً فالمقاوم على الأغلب وحيدٌ يعتمدُ على ما اختزنَ وطَوَّرَ. لكن كيف يمكن له أن يستمر وهو المُحاصَر المُهاجَم من قبل السلطة التي رفعت يديها وإسرائيل وعملائها المنتشرين؟ وهل سيدعم هذا الطوفانَ، أو يقدر، محورُ المقاومة الذي يدعم غزة؟ المنطق يقول هذا فإن إسرائيل التي تضرب في غزة هي نفسها التي تضرب في داخل فلسطين فهل لهذا الدعم من المحور لغزة من وسيلةٍ في دعم الداخل؟ السؤال الأهم هو إن سيدعمه فلسطينيون بباقي فلسطين؟ هل سيثور له ومعه أحدٌ في السلطة؟ تكاد الإجابات حول هذه الأسئلة تكون متشائمة. ويبدو واضحاً أن غزة ومقاومة الداخل لا يصلها مددٌ من الخارج بينما تهاجمها إسرائيل بجسرٍ جويٍّ أمريكي لا يتوقف، فكم من الوقت ستستطيع هذه المقاومة الصمود عسكرياً وكيف لها أن تُملي إرادتها سياسياً خاصةً و المحتجزين الصهاينة يتقتلون لسببٍ أو لآخر وتُستعادُ جثثهم دون إفراجٍ عن أحياء أو جثامين شهداء فلسطينيين؟ الواقع أن ما يقوم به المقاوم ملحميٌّ في الصمود والتفاوض والإعلام لكنه لا بد يتوجع و يتأثر بالخسائر المدنية والسؤال هو إن سيستطيع تحييد هذا الأثر لفترةٍ تمكنه من إنجاز نصرٍ.
تقود هذه الاستفسارات لنوعين من الاستنتاج. الأول متفائلٌ بواقعيةٍ من أن شعباً يقاوم الاحتلال منذ بدايات القرن العشرين ولم يتخلَّ عن بلده لن ينحني ولو طال الزمان حتى لو فقدَ قدرته العسكرية الآنية. يفترض هذا الاستنتاج أن لا تنتهي الحرب بنصرٍ بل بنوعٍ من الهدنة المتأهبة وهي حالةٌ من التهدئة واغتنام الفرصة للطرفين للتحضير لخوض معركةٍ في يومٍ ما في المستقبل وهو احتمالٌ يصطدم بالترتيبات التي ستضعها إسرائيل والحلفاء للسيطرة على أي مددٍ عسكري للمقاومة وأساساً لوقف نهوض أي مقاومة. والثاني فيه تشاؤمٌ من أن تنهار جبهة غزة أمام الضغوط وتلحقها مقاومة الداخل وأن تستطيع إسرائيل كبح قوة محور المقاومة بالقوة الكاسحة في جنوب لبنان واليمن و العراق وحتى إيران بمعونةٍ من الحلفاء.
يريد الناس وأنا منهم أن يكون هناك استنتاجٌ فيه تفاؤلٍ بنصرٍ مبينٍ، بانهيار إسرائيل. وقد يكون في زمانٍ غير زماننا لكننا اليوم في ظل هذا الجو العربي الخانق يجب أن نكون واقعيين في تحليلنا وهنا لا أتفق مع الكثير الذي ينثر التفاؤل من غلبة المقاومة و انهيار إسرائيل. مثل هذا الاستنتاج يستوجب ترتيباً عربياً وإسلامياً من المستحيل إيجاده دون تغييراتٍ قاسيةٍ أو لكي نكون متفائلين يحتاج صحوةً عربيةً من حكوماتنا تأتي دون تغييراتٍ قاسيةٍ قد تبدأ على سبيل المثال بإحياء المقاطعة العربية لكل ما هو إسرائيلي ومؤيد لها، وافتكاكنا من المعاهدات و تعديل عقيدة جيوشنا بوضع إسرائيل عدواً لا حليفاً أمنياً و رافداً تقنياً عسكرياً.
نعم لقد فار التنور و فاض الطوفان وما استوت على الجودي بعدُ سفينة المقاوم فبينها وبين بر الأمان، النصر، جبالُ غدرٍ ومكرٍ و استقواء من القريب والبعيد. إنها حربٌ يجب أن نخوضها جميعاً وبكل سلاحٍ ممكن. قد لا نملك شعوباً السلاح الناري لكننا نملك المقاطعة والكلمة والرمز والرفض والتصميم لننتصر عليهم والإيمان بشعوبٍ لا تقبل الذل وإن فاض الدم والدمع ليصنع الطوفان الذي يجب أن يستمر زارعاً الأمل.
*كاتب اردني ودبلوماسي أُممي سابق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر