حماد صبح*
ظاهرة رعاة الأغنام في الحرب الإسرائيلية الأثيمة على قطاع غزة ظاهرة مثيرة. وهي موجودة قبل الحرب إلا أن حالها انقلبت انقلابا واسعا متنوعا أثناءها. وفي هذه الظاهرة يجمع عدة رعاة قطعانهم، ويتنقلون بها في الطرقات وفي ما يتيسر لهم من الأرض الخالية من الشجر والعمران، وهذا الصنف من الأرض نادر في قطاع غزة لصغر مساحته وكثافة العمران فيه .ويسارع هؤلاء الرعاة إلى كل قطعة أرض يحصد زرعها أو تقلع خضراواتها ليمكنوا أغنامهم من رعي ما بقي من أصول سيقان الزرع المحصود ، وما تفرق من سنابله ، وما بقي من نبتات البندورة والباذنجان والفلفل وسواها من الخضراوات مضافا إليها الأعشاب .
ومثل كل إنسان في قطاع غزة فعلت الحرب الهمجية المسعورة فعلها المكتسح الأضرار في هؤلاء الرعاة وفي أغنامهم. تنقلهم تحت القصف والرصاص يجعل قتلهم وقتل أغنامهم متاحا مخوفا، وفعلا قتل بعضهم إلا أنهم دائما يغامرون بحياتهم حفاظا على أغنامهم مصدر رزقهم الأساسي، ولعله الوحيد. وحين كنا ننسل إلى بيوتنا بين وقت ووقت كنا تجدهم في المنطقة، فيوحي وجودهم إلى نفوسنا بشيء من الأمان والاطمئنان، ويبعث هذا الإيحاء في النفس رؤية أي إنسان ذاهب إلى المنطقة أو راجع منها.
ولسوى هؤلاء الرعاة أن يقاوم نزوعه للانسلال إلى بيته أما هم فما من وسيلة لمقاومة حاجة أغنامهم للرعي ، فلا قدرة لهم على إعلافها في حظائرها هذا إن سلمت من القصف أو النسف مع بيوتهم أو التجريف ، وانعدام قدرتهم مصدره قلة التبن والحبوب وغلاء أسعار القليل الموجود منها ، وحتى في أحوال ما قبل الحرب من المكلف المرهق إبقاؤها في حظائرها والإنفاق عليها . رعيها خارج الحظائر يقلل تكلفة تربيتها كثيرا، ويصنع توازنا ماليا لمنغعة هؤلاء الرعاة البسطاء. وتصاحبهم في تنقلاتهم كلابهم التي لا تقل في العادة عن أربعة أو خمسة، وهي أليفة لا تنبح الناس الذين يلتقونها مع رعاتها في الطرقات . تخلصت مع الوقت من طبيعتها التي تهيجها للنباح أو العض، وأضحت مشبهة للأغنام . ويصطحب الرعاة معهم حمارا يحمل طعامهم وماءهم وعدة شايهم في خرج ، ويلفون رؤوسهم بكوفيات لا تبين منها أحيانا إلا عيونهم . وإذا دخلوا أرضا لرعي أغنامهم سارت خلفها بعض الطيور ، وأكثرها عصفورة القرقز السماوية اللون ، واسمها تركي معناه ( بنت الحقل ) ، ونهاجر إلى بلادنا في الخريف ، وتلبث فيها حتى أول الصيف .
وسيرها خلف الأغنام يوفر لها غذاءها من الفراشات وصغار الجراد التي تثيرها الماشية ، فيسهل عليها صيدها . وليست أغنام الرعاة الوحيدة التي عسرت عليها الحرب مصادر غذائها . تعسر هذا على الحمام الأليف الذي يربيه الناس . أسراب هذا الحمام وجدت نفسها بلا أبراج ولا بيوت ولا أهل يغذونها ، فبدأت تطير مع وضوح الشمس شرقا صوب الأرض المحتلة ، وتعود قبل الغروب إلى طلول بيوت أهلها ، وفي أحيان ترتد عائدة إذا باغتها قصف مدفعية العدو وانطلاق رصاص رشاشاته ، وهو ما يحدث بين وقت وآخر حتى بعد إعلانه المنطقة “خضراء ” . وأغنام الرعاة تخلق الآن خطرا على ما اخضر من أصول شجر الزيتون التي سلمت من فتك جرافات العدو بعد ما سحقت هذه الجرافات أغصانها ، وجمعتها عشوائيا أكواما أكواما مخلوطة بالرمل والطين . الأغنام تلتهم الأماليد الغضة المخضرة ، فيتأخر نموها ثانية . والشائع بين المزارعين أن أنفاس الأغنام فادحة الإضرار بهذا النمو . والمنتظر بعد زوال المجموع الشجري الذي تجسده الأغصان أن يحرث المزارعون الأرض ويبذروها قمحا متى توفر في السوق بعد نقصه شبه التام فيها بسبب الحرب . وبدأ موسم البذر مناخيا إلا أن الأحوال السيئة أمنا ونقصا للحبوب وابتعاد كثير من المزارعين عن أرضهم بعد هدم بيوتهم قصفا أو نسفا أو الاثنين معا ؛ تمنع الحرث والبذر . وللرعي والرعاة نصيب كبير ممتع في الأدب العالمي يعرف بالرعويات أو الباستورال بالتسمية الغربية . يقول شاعر فلسطيني : ” شبابة الراعي التي حملت = لحن الجمال البكر في بلدي ” ” أنغامها السكرى تطاردني = وتعيش في سمعي وفي خلدي ” ، وهو يأسى على اختفاء زمن سعيد عاشه في وطنه قبل تشريده منه بفعل العصابات الصهيونية في 1948 . وللشاعر التونسي العظيم أبي القاسم الشابي رعوية لا حدود لبهائها أنغاما ومعاني وكلمات وأحاسيس وصورا تأتلف جميعا في نسيج فني أخاذ ، ويستهلها منشدا : ” أقبل الصبح يغني للحياة الناعسهْ .
والربا تحلم في ظل الغصون المائسهْ . ” . وتبقى فلسطين أرض حياة ، إحدى صورها الغالية الجميلة رعاتها الكادحون الشجعان .
***
*شكرا للأعزاء الذين يؤنسونني بمداخلاتهم الودية الصادقة ، وأقول لأخي الحبيب الكاتب الكبير الأستاذ خالد شحام إن عقبات كثيرة عسيرة تعترض كتابتي لأي مقال إلا أنني أجتهد للتغلب عليها ، وثقتي كبرى برحمة الله _ تعالى _ في مؤازرة هذا التغلب ، والمشكلة في شحن الحاسوب ، وفي ضعف بطاريته ، وخلو السوق من البطاريات خلوا تاما ، وفي إرسال المقال إلى العزيزة ” رأي اليوم ” لانقطاع النت في المنطقة . النصف الثاني من كتابة هذا المقال على الحاسوب بعد كتابته على الورق اضطرني للانتظار ثلاثة أيام بعد كتابة نصفه الأول . وأحيانا تأتي الريح بما تشتهي السفن . بوركت يا أخي الحبيب .
*كاتب فلسطيني مقيم في غزة
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-04-12 06:15:53Z | |
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر