الأحد , مارس 22 2026
الرئيسية / اراء / هل أخطأ بشار؟!

هل أخطأ بشار؟!

ادريس هاني*
الكلمات المفتاحية لثورة البِتاع هي:
سقط النّظام- هرب الرئيس- انتصر الفاتح – تحرر الشعب
الكلمات المفتاحية الممنوعة هي:
سقطت الدّولة – الخيانة الكبرى – استلم الفاتح العاصمة – نكبة شعب..
من يملك وسائل التضليل في مفصل تاريخي حرج يخصّ أمّة بكاملها وليس قطرا كانت جريرته الوحيدة أنّه صمد في وجه الإعصار، ولهذا حورب وليس لقسوة جهازه الأمني، من يملك ذلك الإعلام إذن، يملك آلية تخذير أمّة لا زالت تحت تأثير ” البِتاع”. ففي البيداء العربية ثمّة مشاتل ممتدة للسجون وشّطط بالغ في التدبير.
سألت “فصعولا” في ساحة العاصي بداية الأحداث بحماة: ألا ترى أنّ ثمة وضعا استثنائيا لسوريا، كونها بلدا في حالة مواجهة، وأنّ هذاسيؤثّر على وضعها ومصيرها؟ أو هكذا قلت. فكان الجواب: نحن أصغر طفل عندنا يمكن أن يحكم أفضل من بشّار، أو هكذا قال. كانت آثار “حب شباب” واضحة على جواب “الفصعول”. ولكن المراهق المغرر به يومها كان معذورا، شأنه شأن قطيع ممن ليست لهم حيلة لإدراك الأبعاد الجيوستراتيجية للحرب على سوريا، لأنّ الضّخ الإعلامي كان مانعا من تأسيس وعي استراتيجي لدى المنفعلين بفائض من الأدرينالين، وبأفق الثورات الملوّنة، ورقصة الماسي التي استوحى منها جين شارب حركة العصيان المدني الدّائم. لكن يبدو أنّ للشاب حدس استشرافي بعيد المدى، فلقد مكّنت القوى الإمبريالية والباب العالي بوصفه وكيلا للشرق الأوسط الجديد، من عبور نائب الفاتح الذي التحق بالقاعدة في سن 21، وفيها تشرّب الآنارشية الملتحية العابرة للحدود، وهو اليوم ذلك الطفل الذي سيسوس المعادلة الكبرى في المنطقة بتوجيه من رجال الباب العالي الذين يدبرون قرارات القصر الجمهوري بدمشق. وحتى الآن لا نعرف الأب الروحي والولائي لنائب الفاتح، فلقد تقلّب ولاؤه مرارا لا يتعدى الفارق سنتين أو ثلاثة بين ولاء وولاء: مبايعة الزرقاوي، مبايعة البغدادي، مبايعة الظواهري، مبايعة الباب العالي، مبايعة…
لا أهمية إذن للمسرحية البلهاء وأبطالها الكاريكاتيريين، ولكن الحديث هو مع الماسك بخيوط الكراكيز، والمخرج ومهندس الإنارة، وليس مع الكراكيز وجمهور “شاهد ما شافشي حاجة”.
يستطيع الإعلام أن يجعل المفارقة الفلكية مهضومة، لأنّ التحكم بقوة التّركيز ونسبية الأهمّ والمهمّ، هي التي تحدد مفهوم المهنية في الإعلام الذي هو أداة حرب على الحقيقة. فالكلمات المفتاحية لهذا الضّخ اليومي تهدف إلى حجب الحقائق بفائض من الزّيف والتكرار، لا يوجد من بين هذا التحشيد تركيز على لعبة الأمم وعلى ما يدبّر لسوريا اليوم.
13سنة وسوريا تعيش على سبيل مواجهة كونية وشروط الحرب، والحصار، والتّآمر. ولهذه العشرية منطقها الخاص وآفاتها ومظاهرها، وهي أنّ البلد وُضع على صفيح ساخن تكبدته سوريا يوما بعد يوم. فأمّا ما يسميه الفاتح وأنصار الباب العالي بسقوط النّظام، هو بالتعبير الواقعي سقوط الدّولة. النتيجة المنطقية لهذا السقوط هو تدمير كلّ ما هو ضروري لقيام بلد من جديد. وكان لخيانة بعض الضّباط سند موضوعي ثنائي الأبعاد: البعد الأوّل اهتبال فرصة انشغال محور المقاومة بإسناد غزّة، هذا يذكرنا بكل أشكال الاهتبالات التي قادها الباب العالي، عند الإلتفاف على أربكان يوما، وقديما في اهتبال صدمة الغدر بالسلطان محمد الشيخ لشن معركة وادي اللبن(سنة 1558 م ). استغل باشا الشرق الأوسط الجديد فرصة انهماك المقاومة اللبنانية في معركة الإسناد لتحشيد جند الفاتح . وأمّا المخطط فلم يكن حتى اللحظات التي سبقت الساعات الأخيرة معلنا عنه. فعنوان العملية لم يكن هو تحرير الشام بل كان هو ردع العدوان بما يوحي بأنها مجرد اشتباك. سيعلن على الخطة بعد أن انسحب الجيش من حمص. فلقد بات واضحا منذ أن طلبت قيادة الجيش من قوى الإسناد أن يبرحوا الخطوط الأمامية ويقفوا في الخطّ الثالث. نجحت المؤامرة وطلبت القيادة من الجيش الإنسحاب. هنا بدأ الحديث عن التوجه للشّام. وكان توجها من دون حرب، وهنا تمّ تسليم دمشق للباب العالي، فدخل ممثل الفاتح -وليس الفاتح- القصر الجمهوري بلوك جديد. في تلك الأثناء تمّ الغدر بالقوى المرابطة بحمص، ولولا هذا التآمر من ضباط، لما أمكن مجموعة الطاجيك والإيغور التقدم قيد أنملة في هذه المواجهة التي خسروا كلّ أشواطها من قبلُ.
وجب التذكير بأنّ ما سميّ بحلفاء سوريا لم يكونوا على اتفاق منذ البداية، لكن المصلحة اقتضت متابعة المهام دون حفر في ذلك التناقض الذي تحوّل إلى شرخ كبير في جسد حلفاء سوريا، وازداد هذا الوضع وضوحا في السنوات الأخيرة. كانت للروسي أجندة محددة وهي ملاحقة الجماعات المسلحة وتأمين توازن إزاء التدخل الخارجي. لكنه لم يكن موافقا على نشاط قوى الإسناد في تعزيز قدرات الجيش السوري وتغيير معادلة الصراع بما يتهدد الاحتلال بالجنوب. فالقصف المتواصل لمواقع تواجد الحرس والحزب لم تكن بريئة، وأنّ الطيران الذي كان يستهدف تلك المواقع لم تعترضه الصواريخ الروسية، كما أن تحديد مواقع مخازن السلاح والشخصيات كان مريبا. كان هناك تفاهم بين الروس والاحتلال بخصوص انتشار قوى الإسناد. تحمّل الجانب الإيراني الكثير من الضربات بما فيها الاغتيالات التي كان يقوم بها بعض الضباط ضد خبرائهم والأخرى التي استهدفت ظهور شباب المقاومة. كان بشار يراهن بقوة على الجيش حتى آخر رمق قبل أن يدرك الخلل، فمعلومات الإيرانيين لم تُؤخذ بجدية، إذ تمّ الضغط على الإيراني بتقليص تواجده في مواقع استراتيجية، وذلك طبعا بناء على تفاهمات معينة بين الروس والاحتلال. كان الروسي يطمئن الاحتلال باستمرار بأنّ وجوده لا يهدد الكيان. وربما ومع تصاعد هذا التحدّي، لم يكن الروسي معنيّا بقصف الاحتلال لمواقع كثيرة في سوريا، وهذا أيضا ما يفسر تصاعد العمليات التي قام بها الاحتلال في مواقع كثيرة دون اعتراض من الروسي، باتت سوريا مختصرة في قاعدة حميميم، مقابل تنامي تفاهمات موضوعية بين روسيا وتركيا.
في ذروة هذا التصعيد، كان الروسي يُكثر من الضغط على بشار للجلوس مع أوردوغان، بدعوى الحلّ السياسي، لكن قضية الحل السياسي لم تكن مرفوضة يوما من قبل النظام السوري، لكن بأي شروط وبأي ثمن سيكون هذا الجلوس؟ فلو كان الرهان فقط على البقاء في السلطة، فهذا هو أسهل طريق، لكن الموقف المثالي للنظام السوري بخصوص السيادة كلّفه كلّ هذا الوضع.رفض بشّار رفضا قاطعا، وهو يشترط أنّ الجلوس مع أوردوغان يجب أن يسبقه انسحاب تركي من الأراضي السورية. مطلب مشروع، لأنّ التفاوض مع من يحتل أرضك، معناه التنازل عن سيادة وهيبة الدولة السورية. كان الأمر في غاية الابتزاز. تلك هي جريمة النظام السوري، لأنّه لن يقبل بالتنازل عن السيادة، وهذا مؤشّر آخر على أنّ لا أحد يملي على سوريا ما ستفعل، بمن في ذلك الروسي.
وصل تناقض المواقف إلى ذروته، تطورت التفاهمات بين اللاّعبين الذين يتقاسمون اليوم النفوذ في سوريا، ولم يكن الاحتلال بعيدا عن المخطط، فهو قائد مشروع الشرق الأوسط الجديد، والعثماني شريك.
حاول النظام السوري الانفتاح على جامعة الدول العربية بحثا عن سند لسوريا، وتقدم خطوات نحو دول مجلس التعاون الخليجي المعنيين أيضا بمخاطر تقدّم الجماعات المتطرفة وتيار الإخوان، لكن هذا كان في وقت تسارعت فيه الأحداث، وبدا من المستحيل تدارك الوضع.
لم يدخل الإخوان ومشتقاتهم في معارك مسلحة وربحوها دون سند إمبريالي وإقليمي. ولنا في تجربة أفغانستان خير مثال. وها هي الجماعات المقاتلة تدخل دمشق من دون خيل ولا ركاب. لكن الجديد اليوم هو انبعاث العثمانية الجديدة، بأدواتها المنتشرة على امتداد الوطن العربي، إعادة ربط الجسور مع الإيالات العثمانية بأساليب أخرى. وسيمتد الأمر في كلّ اتجاه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فخلال السنوات الأخير تدفقت أجيال بكاملها لتَلَقِّي تكوينات والحصول على منح دراسية باذخة، الطابور الخامس للفاتح هم الإخوان المتحمسون اليوم لحكومة النصرة بالشّام، أمّا الجماعات المقاتلة، فسيفتحون لها طريقا إلى مناطق النّزاع، لأنّ الدولة ليست هدفا نهائيا لجماعات وظيفية عبر-دولية، الشام مجرد محطّة. وثمّة تفاهمات موضوعية تتعلّق بملايين الإيغور الموالين للفاتح سينطلقون في اتجاه حدود أخرى للشرق الأوسط الجديد، وهذا سيريح الصين من مخاطر عودتهم، حيث سيمنحهم الفاتح جنسية الشام الجديدة، وسينطلقون بهويات جديدة. لن ينتهي الأمر بمشروع إسقاط الدولة السورية، بل القادم يستهدف كل الإيالات الكلاسيكية للباب العالي، شرق أوسط جديد بتعاون بين الاحتلال والباب العالي.
دفع بشّار الثمن غاليا، لأنّه رفض الإستسلام للباب العالي. وثمّة طابور خامس قديم وفيّ لإيالة الشّام العثمانية يستند إلى أيديولوجية ثلاثية الأبعاد: الأموية، الباب العالي، بيزنطة. لقد كنت أخشى على سوريا من هذه الخلية النائمة للوفاء الأموي- العثماني، فكلاهما استقوى ببزنطة. وقد حاول منظّر هذه الأيديولوجيا أبو يعرب المرزوقي حين ربط بين الأموية والعثمانية الجديدة، مولعا بسياسة المكر التي يقوم بها زعيم الباب العالي، حيث سمّاه معاوية الثاني. فعل لسان الإيغور والطاجيك والأوزبيك وباقي قوميات الهيئة شعار حول عودة الأموية. الموالون الأسيويون للفاتح يقومون بتشكيل المنطقة ومزاجها السياسي. إنّ ثورة البِتاع المتترسة بشعارات تنطوي على نقيض الأطروحة، يجهلون التّاريخ، بما فيه التاريح الحديث، وهو أنّ مواجهة الإستبداد وطبائعه منذ الكواكبي وعصر النهضة العربية، كان ينازع ذلك الاستبداد الذي كرسه الفاتح في بلاد الشام والذي لاحق التحرريين بالخوازيق، التي عادت اليوم مع الإيغور وحفذة الإنكشارية. إنّ طبائع الاستبداد التي هجاها الكواكبي اليوم، ستعود تحت ألف كذبة وكذبة. إنّ ما بدا لأحفاذ الفاتح سليمان القانوني ثورة وتحرر، هي عودة فاخرة لطبائع الإستبداد.
وفي “أتيت الشام”، يصدع مظفر النواب قائلا:
قصدتُ المسجد الأموي
لم أعثر على أحد من العرب
فقلت أرى يزيد
لعله ندمٌ على قتل الحسين
وجدته ثملاً
وجيش الروم في حلبِ ..
ملاحظة:
الصورة مع الشاعر العربي مظفر النواب ذات عام بمقهى الهافانا بقلب دمشق….
*كاتب ومفكر مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل تخلت أمريكا عن حلفائها في الخليج؟

آية مصدق* منذ اللحظات الأولى للحرب التي شنتها كل من إسرائيل وأمريكا ضد إيران في …