العميد. محمد الحسيني*
يخطئ من يظن أنه بعد الحرب الأخيرة أصبح على دراية كاملة بطريقة عمل حزب الله، أو في استطاعته استيعاب الفكر الأيدولوجي المقاوم، أو في قدرته على مقاربة أسباب احتضان البيئة وموقفها الداعم له، الذي صدم غالبية المراقبين على الرغم من حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات التي مُنيت بها خلال الحرب. ذلك كله من دون العودة إلى آلاف الكتب والمجلدات لمراجع وفقهاء المسلمين الشيعة، أضف إليها رحلة تقصي المسار التاريخي لهذه الطائفة لاستخلاص المسببات الرئيسية لنهجها الثوري السياسي والعسكري، ومن ثم تفرعها لعدة طوائف منها: الإثني عشرية أو الإمامية( الشيعة اليوم)، الإسماعيلية، الزيدية، القرامطة، العلوية، الدروز ، الكيسانية، الفطحية وغيرهم…وصولاً لدورها المؤثر والفعال فى قضايا الأمة العربية والإسلامية، لا سيما منها بعد التحولات الجيوسياسية التي أصابت المنطقة عقب الحرب العالمية الأولى ونتائجها الدراماتيكية الممتدة إلى يومنا هذا…
ومهما طال الحديث واحتدم النقاش أين أصاب حزب الله؟ أو أين أخطأ؟ إن على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي، فإنّ ذلك لن يُبدل حرفاً في رأي مَن سيطرت عليه “فوبيا” استطلاع التاريخ، ومن كبلته القيود الطائفية في الانفتاح على الآخرين، مثلما لن يجرؤ هو ذاته على حمل السلاح أو القلم في وجه المحتل لأرضه لا اليوم ولا الغد ولا بعده، أقله في حال لم ينفذ العدو اتفاقه بالانسحاب بعد ال60 يوماً. هذا الاتفاق الذي ولد على عجل، فجاء هشاً هزيلاً تشوبه العيوب، أولها لجهة عدم إلزام جيش الاحتلال بوقف الأعمال الحربية ضد لبنان خلال مهلة ال60 يوماً على الرغم من تقيّد المقاومة بذلك، وثانيها في عدم السماح للمقاومة بسحب السلاح إلى شمال النهر أو تسليمه للجيش اللبناني، وثالثها في عدم الاتفاق على جدول زمني للانسحاب الاسرائيلي يقابله انسحاب آمن للمقاومة بالتزامن مع دخول الجيش خلال فترة ال60 يوماً بل تركت مفتوحة على الاحتمالات كافة.
وفي مقارنة أولية بين اتفاقي وقف إطلاق النار الأول في لبنان والثاني في غزة، فإن متانة الأخير تكمن في الأسرى الاسرائيليين الذين هم بحوزة حركة حماس مما قد يجنب غزة ما نشهده اليوم من “حرية تحرك” للعدو في لبنان أقله خلال مراحل التنفيذ، أما هشاشته فتتلخص في عدم وجود قوات دولية أو إقليمية تفصل بين الاحتلال وحماس لتضمن وقف إطلاق النار مستقبلاً، وفي عدم تحويل غزة بعد الانسحاب إلى “ضفة غربية” ثانية، في الوقت الذي لا يُنكر أحد فيه أن نجاح “دونالد ترامب” في الانتخابات الرئاسية الأمريكية قد سهّل وعجّل في وقف إطلاق النار في كل من لبنان وغزة، فإن إدارة “بايدن” قد فخخت الاتفاق على الجبهة اللبنانية، مما يدعونا للتساؤل، هل سيصبح مصير غزة من الاتفاق كمصير لبنان، أم لا؟ فلبنان الذي خُدع في آلية تنفيذ هذا الاتفاق، كما خُدع بها المقاومون في الميدان، لا يوازيه بتاتاً انسحاب جيش الاحتلال إذا ما حصل عند انقضاء المهلة الزمنية المحددة في نهاية هذا الشهر.
كون تداعيات هذا الاتفاق بدأت تظهر داخلياً من خلال الأداء السياسي الأقليمي والدولي تجاه حزب الله، لإحراجه بغية إخراجه من دائرة القرارات التنفيذية للحكومة اللبنانية، بغرض إقصائه عن المشهد السياسي العام، فهل ينجحون في ذلك؟ في مرحلة بات الكل مدركاً فيها حجم الاستحقاقات المقبل عليها لبنان، منها ملف إعادة الإعمار، والانتخابات البلدية، وملف المخيمات الفلسطينية، وسلاح المقاومة، ومنها العمل على قانون انتخابي جديد على قياس المرحلة المقبلة، كقانون “نظام الصوت الواحد غير القابل للتحويل” وهو نظام يقوم الناخب بمنح صوت واحد لمرشح واحد، وغيرها من الاستحقاقات…
مما يوحي بمرحلة سياسية معقدة وأمنية حرجة، قد تبلغ حد الكباش الداخلي إن لم توّلد انفجاراً جديداً إما على الحدود الجنوبية في حال عدم الانسحاب الاسرائيلي، وإما عند الحدود الشرقية الذي يمر بحالة من عدم الاستقرار في ظل الاشتباكات المتقطعة التي تحدث من حين إلى آخر ، في وقت يعجز فيه النظام الجديد في دمشق على ن السيطرة على ميليشياته المتفلتة على الأراضي السورية بما فيها الحدود مع لبنان، وذلك بغض النظر عن التطمينات والوعود الدولية بضرورة تحييد لبنان وتجنيبه حروباً أخرى على أرضه، في رسالة ثلاثية لكل من الإدارة السورية الجديدة واسرائيل وحزب الله، الذي بقدر ما يحتاج إلى عملية تقييم استراتيجية وتكتيكية شاملة للمرحلة السابقة، ومساحة من الوقت يتفرغ فيها لإعادة تنظيم هيكليته الداخلية بغية ملء الشغور الناجم عن استشهاد العشرات من الكوادر العسكرية والأمنية والإدارية جراء الحرب ضد العدو الإسرائيلي. فإن حاجته أكبر إلى اعادة ترميم بيئته اجتماعياً وسياسياً بعد أن استنزفتها الحرب، بغض النظر عما أظهرته من تماسك والتفاف حوله، لذا قد يتطلب الأمر من حزب الله خلال إعادة التأسيس لمرحلة ما بعد الحرب أن تكون منهجيته مختلفة عن السابق، وأن يعتمد فيها على استراتيجية صامتة ومتحفظة هي أقرب ما تكون إلى “التقية”، بعدما باتت تفرضها عليه الضرورات الأمنية الملحة واستراتيجيات التحالفات الجديدة ربطاً بالتحولات الإقليمية والدولية.
*كاتب لبناني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر