الجمعة , مارس 27 2026
الرئيسية / اراء / ترمب والعشرية السوداء على العالم!

ترمب والعشرية السوداء على العالم!

خالــد شــحام*
بعد مشاهدة حلقة (ما خفي أعظم) التي بثتها قناة الجزيرة بالأمس يمكنكم التأكد أكثر بأن غزة الان هي المدينة المضاءة الوحيدة في العالم حتى لو لم يتواجد فيها التيار الكهربائي، فيما تغط مدن العرب في بحر من الظلمات، حينما أنسحب في مخيلتي من خرابات غزة المضاءة واتحرك إلى العواصم المطفأة، يدب الذعر في عروقي، وتبدأ الأسئلة الدراكولية بالإحاطة بي من كل حدب وصوب، لماذا يحرم على هذه الأمة أن يظهر فيها قائد عظيم أو مخلص جديد؟ لماذا تظهر او تختفي ثروات العرب بإذن من حارس البيت الأبيض؟ كم يبلغ ثمن المواطن العربي وكم يبلغ ثمن حكمه؟ لماذا يتوجب أن يفتح معبر رفح أو تتوقف الحرب بإذن من الولايات المتحدة؟ من هو أكثر رحمةً ملك قشتالة القديم أم الجديد؟ من هي أكثر إذلالا، معاهدة الندامة القديمة أم أوامر السلامة الجديدة؟ هنالك ألف لماذا وربما ألف كيف وألف متى تحوم في مدن العتمات يتفكر بها السكان من بقي منهم على قيد الوعي كل يوم او كل ساعة.
سبب الأسئلة السابقة هو السيد ترامب الذي تهيمن إطلالته على واجهات الأخبار بعباراته اللاذعة واسقاطاته الفجة التي تمزج بين الجد والهزل، يأتي ترامب في حقبة زمانية من الأحقاب السياسية والمصيرية للبشرية جمعاء اسمها العصر السياسي الجوراسي حيث تغيب القوانين الدولية والإنسانية وتحل محلها أنياب ومخالب القوانين الغريزية للافتراس والتوحش والنهب والقتل والزعرنة والبلطجة السياسية، يأتي الرجل في ظل تموجات ضاربة وتقاطعات عمياء عوراء من اضطرابات تسببت بها بلاده عبر سنواتٍ طويلة من سياسات استعمارية صرفة تخلو من أي منحى اخلاقي أو إنساني، يأتي ترامب من قسط كامل من الزمان عقمت فيه الحضارة المعاصرة أن تجود بقادة سياسيين عظماء أو يمتلكون القدرة على اللجوء إلى دفتر أخلاقي او انساني أو ديني سَوِي ليقودوا هذا العالم الى الحكمة والصواب والنجاة، كل ما يحدث هو تنصيب أرجوزات تتحكم بها وكالات الربا الملعون وعصابات السلاح والنفط والطاقة والغذاء والدواء وتجار البن والمطاط والمعادن، إن الحقبة التي يعاصرها عالم اليوم لا تختلف عن حقبة القرن السابع عشر من الاقتتال والدموية والذبح القبلي، الفرق أن عالمنا المعاصر فيه كثير من جرعات المتعة والأفيون والأحداث المضللة.
قد يتساءل البعض كيف ينجح رجل بمثل هذه المؤهلات في بلد يرفع شعار الحريات وحقوق الإنسان والمساواة؟ في عالم اليوم وفي الولايات المتحدة تحديدا يكفي أن تكون ثريا وتتقمص بعض الميول السياسية كي تتحول إلى سياسي بارز وإذا كنت مهرجا بما فيه الكفاية فسوف تتكفل هوليوود السياسية بصقلك وتلميعك وإيصالك إلى المكان الصحيح، لقد ذكر ترامب بنفسه في مقابلة صحفية قديمة بأنه سيلتحق بأغبى الأحزاب الأمريكية ويضحك عليهم ويحقق النجومية بسرعة وقوة وقد أثبت ذلك بدرجة عالية.
في الولايات المتحدة لا يمكن أن تسمح الدولة الأمريكية العميقة بارتقاء أيٍ كان نحو سدة الرئاسة مهما كان الثمن، صعود شخص بحد ذاته هو شيء مرسوم ومحتوم وغير قابل للتأويل أو الصدفة أو استطلاعات الرأي العام أو الديموقراطية المزعومة التي تسمعون بها، إنه امر مبرمج سلفا وإن كان يشتمل على تعددية فهي تعددية مغربلة ومنتقاة ومسموحة النفاذ ويتنافس فيها المرشحون المقبولون على الولاء لكل الأجندات المناطة بالرئيس الأمريكي وليس عكس ذلك، إن قطعان الجماهير تختار النكهة التي تفضلها من بوفيه الرئاسة الذي تم فرزه سلفا حيث الجوهر واحد ولا مجال للصدف هنا أو الحظ! وهنا بالضبط تتشابه نظم الولايات المتحدة مع النظم العربية البالية وتستويان مثلا .
ما هي الظروف والمعالم الأساسية لهذا العالم الذي يأتي فيه ترامب ليقود الولايات المتحدة؟
1- تهميش الشعوب وسيطرة عصابات صهيونية على الحكم في معظم دول العالم، امتهان كرامة الانسان العالمي بالنهج الرأسمالي ليس بالحروب فقط والقمع والاعتقال والقتل، بل امتهان الإنسان بتحوله إلى سلعة في البنوك وممالك الجنس والطعام والدواء والسجائر والعمل حتى الموت أو الفشل حتى الموت في منظومات معيشية فاسدة مفسدة وبلدان لا تكاد تمتلك مقومات استقلالها أو السيطرة على حدودها .
2- عالم متهالك أو على وشك الانهيار، دول عربية في حالٍ يرثى لها تكاد تتفكك من الفقر أو تشتري شرعيتها من الولايات المتحدة وتبذر ثرواتها خدمة لأعداء شعوبها بلا رؤيا او مشاريع حقيقية وأمنها القومي لا يصح له إلا وصف الرجل المريض، أوروبا فقدت عظمتها ومكانتها وتحولت إلى دول ذيلية، خرجت روسيا بدور لاعب ثانوي أثبت عجزه عن مزاحمة الولايات المتحدة، تموضعت الصين في موقع أكثر ميلا للركون والقبول بالمكتسبات المادية من واقع مزرٍ، اضحت امريكا الجنوبية والقارة الافريقية وأجزاءٌ من اسيا في حالة احتضار وجودي، اقتصاد عالمي على وشك الانهيار، أساس انهياره هو الدولار الذي تسبب في كل حروب المعمورة والذي ولد ظلما فادحا والذي تسبب في تكدس الثروات دون اي مستوى من العدالة.
3-تراكمات مزمنة الجراح من الأزمات والمشاكل المستعصية والمتجمدة الأفق والتي ولدتها سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تحديدا تبدأ بالقضية الفلسطينية ولا تنتهي عند الثورة الاسلامية في ايران أو كوريا الشمالية أو روسيا أو الصين وغيرها.
4-ايمان عميق بأن الولايات المتحد جاهزة لخوض مزيد من الصراعات والحروب والهيمنة القسرية على العالم تحت سطوة سلاح الذكاء الصناعي الذي سيؤسس لعالم جديد كليا غير معروف المعالم.
5-وجود خزان كامل من المصائب و الأزمات المعدة والمجهزة لعالم اليوم، شاهدنا واحدةً منها اسمها كورونا والثانية اسمها أوكرانيا والثالثة أضيفت للتو اسمها غزة، هذا الخزان المحضر جيدا منذ سنوات طوال هو ما يتم التلويح به في الخفاء وتتصاعد نبرة خطابه كلما شعرت الولايات المتحدة بتهديد مصالحها أو كلمتها، إن سعي ترامب للمطالبة بتخفيض سعر النفط وايقاف الاضطرابات هدفه توفير الأرصدة لتغذية خزان الأزمات الخفي وتعزيز وتنويع مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل الاتها العسكرية والذكية وليس للحسنى.
إن التحليلات السياسية التي تتناول ترامب ومخططاته غير المتوقعة حيال الهدنة في غزة أو الضفة أو القضية الفلسطينية او السورية أو اللبنانية او الاوكرانية أو الايرانية لا تمثل إلا نظرة عبر أنبوب للحقائق، حيث أن مصير كل هذه الأحجيات الصغيرة مرتبط بالأجندات الأكبر التي تنتظر العرب والعالم، ولهذا السبب فإن الغايات القادمة التي حضر ترامب لوضعها قيد الحياة ونقلها من صيغها النظرية المخططة منذ سنوات إلى صيغها العملية وفرضها على العالم وشعوبه ربما تكون كالآتي:
1-إنقاذ الدولار بعملية إزاحة تاريخية من الدولار الورقي إلى العملات الرقمية وإقرار حزمة قوانين إلزامية عالمية بتحويل كافة المعاملات المالية الى الصيغ الرقمية السهلة التتبع والسيطرة، لقد قطعت فكرة الاستغناء عن الذهب بالدولار الورقي شوطا لا بأس به من الضحك على العالم واستغلاله ونفذ مفعولها وحان الوقت للانتقال للأكذوبة الأكبر بتحقيق فكرة الدولار الرقمي او وكلائه والذي سينوب عن لا شيء سوى الغطرسة الامريكية والذي سوف يتسبب باضطرابات شديدة ونوعيات جديدة من حروب الابادة التي شاهدنا بداياتها في غزة.
2-فرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية على هذا العالم من خلال التقدم التقني المرعب في حقل الذكاء الصناعي والذي سوف يصبح الوكيل الحصري في مراقبة هذا العالم والسيطرة عليه وتغيير قواعد الالتحام وتسديد الضربات من خلاله دون اللجوء إلى تقنيات الحروب التقليدية، إن هذا السر الصغير يفسر كمثال العجز الروسي عن تحقيق أية انتصارات كبرى كما كان متوقعا مع اوكرانيا،، لقد كان بوتين يعتقد أن فولاذ مجنزراته قادر على تحقيق الانتصارات السريعة كما لو أنه في حقبة التسعينات ولم يعلم أنه يواجه آلات قادرة على التفكير،إن فرض الشريحة الذكية على سكان العالم لم يعد شيئا بعيدا أو من ضروب الخيال بل يقترب كل يوم أكثر.
3-إن إقحام التغيرات المذكورة أعلاه يتطلب تفكيك النظم التقليدية والمؤسسات العالمية الكبرى التي عايشناها طيلة العقود الماضية ولا تستغربوا فرط هيئة الأمم ومجلس الأمن وسائر المسميات الكاذبة الأخرى وإعادة هيكلة اوروبا ومؤسساتها وأنظمة الحكم فيها بناءا على قواعد اللعبة الجديدة وفرض معالم مغايرة لعالم اليوم الترامبي، الشرق الأوسط الاسرائيلي سيكون حقيقة وليس مزاحا، لا تستغربوا لو تم التوصل الى اتفاق نهائي مع الصين بتقاسم هذا العالم بمعنى الكلمة.
من الواضح أن العالم بحضور رمزية ترامب الجوراسي سيتوجب عليه معايشة سنوات سوداء ربما لا يقل تأثيرها عن عشر سنوات او أكثر، وعلى الرغم من جسامة الخطر واتقان الخطط والاتيان بأسلحة الإنس والجـآن إلا أن كل ذلك المشروع الترامبي الصهيوني يتهدده خطر كبير جدا عنوانه نموذج الإنسان الذي ظهر في غزة واليمن ولبنان، الإنسان المؤمن بعقيدته وأرضه وشعبه وشرعية حقوقه هو من سيفشل كل مشاريع الشيطان ويسقط أكبر المؤامرات الكونية.
إن المحرر الكبير من كل هذا الظلم الفادح هو نحن، نحن بمواقفنا المستندة إلى ديننا العادل ووطنيتنا الثابتة وصلابتنا وثبات رأينا وصمود تحملنا على كل شيء وكل سلاح يضعونه في وجهنا من تفقير ويأس وقمع وتحطيم، نحن الفقراء وجنود الحرمان وشهداء الظلم الذي جاءت به جيوش الظلام، نحن من سرقت بلادهم ومياههم وزرعهم وبيوتهم واشراقة شمسهم وقمح مزارعهم، نحن من قصفت بيوتهم ورحل أحباؤهم ودُفِن صغارهم، نحن الذين لا نسامح ولا نصالح.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

معركة هرمز!

  أحمد عبدالباسط الرجوب* أمامنا قراءة تاريخية مثيرة، تستند إلى وقائع حرب السويس عام 1956، …