معن بشور*
فيما كنت أواكب بمشاعر الفرح والاعتزاز مشهد الافراج عن المئات من اسرانا في سجون الاحتلال الصهيوني، وبينهم قادة أمضوا في سجونه عقوداً من الزمن، امتلكني شعور بواجب توجيه تحية اعتزاز لهؤلاء الذين من داخل سجونهم كانوا يصنعون لشعبهم وأمتهم الحرية، وتحية تقدير واعجاب لذويهم الذين كانوا ايضاً أسرى القلق والخوف والشوق لأبنائهم الاسرى ، لا سيّما مع أخبار التعذيب والاعدام التي كانت تتسرب من سجون الاحتلال، بل تحية الوفاء لكل صوت ارتفع داخل فلسطين أو على مستوى الامة والعالم منتصراً لقضيتهم عبر اعتصام أو وقفة أو ندوة أو مؤتمر، فهذا الالتفاف العربي والإسلامي والعالمي حول قضية الاسرى في سجون الاحتلال كان بداية ذلك الالتفاف الضخم والمدوي حول قضية فلسطين في أجواء التضامن مع أبطال ملحمة “طوفان الأقصى” ، والتي كان لانتصار المقاومة فيها دور بارز في رؤية اسرانا محررين على أمل ان نرى فلسطين كلها محرّرة في وقت ليس بعيداً.
لكن مع كل هذه المشاهد التي مرّت امام ناظرينا هناك مشهد آخر يستحق التحية ، وتجربة يجتمع فيها التصميم النضالي والوفاء الاخوي، والقيم الوطنية والأخلاقية هي تجربة”خميس الاسرى” التي انطلقت من “دار الندوة” في بيروت وبمبادرة من “الحملة الاهلية لنصرة فلسطين وقضايا الامة”، وبمشاركة عدد كبير من ممثلي القوى والأحزاب والفصائل والهيئات الشعبية اللبنانية والفلسطينية، يوم اعتقال المناضل الكبير عضو اللجنة المركزية في حركة (فتح) مروان البرغوتي في نيسان 2002، وأبّان “انتفاضة الأقصى”، وحصار الرئيس الشهيد أبو عمار في المقاطعة، وخلال ملحمة “جنين”.
في تلك الأيام انطلقت فكرة “خميس الاسرى” وهي ان ينظم كل شهر اعتصام رمزي امام أحد مقرات الصليب الأحمر الدولي في بيروت أو في أحد المدن اللبنانية الكبيرة كطرابلس وصيدا وصور وبعلبك وسعدنايل وقلنا بالإضافة الى المخيمات الفلسطينية، وكانت تقدم خلال الاعتصامات مذكرة الى الصليب الأحمر الدولي حول أوضاع الاسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال وتدعو الى الافراج عنهم.
لقد كانت تجربة “خميس الاسرى” التي اشرف على استمراريتها وواكب فعالياتها، الأخ المناضل يحيى المعلم (شقيق محمد المعلم أحد المفقودين لدى جيش الاحتلال خلال غزو لبنان عام 1982، مع ثلة من رفاقه أعضاء تجمع اللجان والروابط الشعبية إبراهيم نور الدين، بلال الصمدي، حيدر زغيب، محمد شهاب، فواز الشاهر)، والذي كان ينتقل مع ثلة من اخوانه مؤسسي “خميس الاسرى” وفي مقدمهم القيادي الوطني اللبناني الراحل الدكتور سمير صباغ والراحل عباس جمعة القيادي في جبهة التحرير الفلسطينية ، من منطقة الى أخرى، بما فيها قلعة الشقيف التي شهدت واحدة من أهم المعارك في حرب 1982، وذلك تحت مظلة “اللجنة الوطنية للدفاع عن الاسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال” وعلى رأسها المحامي عمر زين الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب.
لم تكتف تلك التجربة بالاعتصامات الدورية والمذكرات المتتالية، بل عقدت ندوات ومؤتمرات محلية وعربية ودولية، أهمها “الملتقى العربي الدولي لنصرة الاسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني والأميركي” الذي انعقد في بيروت بدعوة مشتركة من اللجنة ومن المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن، ثم في الجزائر في أوائل عام 2010 بحضور عدد من ذوي الاسرى وفي مقدمهم المناضلتين عبلة سعادات وفدوى البرغوثي، وأسرى محررين وشخصيات فلسطينية وعربية وعالمية.
تجربة “خميس الاسرى” هي نموذج يمكن ان يحتذى به في الانتصار لكل القضايا المحقة، خصوصاً لما حملته من إصرار غير عادي على مدى 23 عاماً، ومن وفاء أخلاقي لمن يدفع كل يوم ثمنا ً لقضية امته، سجناً وتعذيباً، وللرؤية السليمة بأن قضية فلسطين قضية الإنسانية جمعاء .
فألف تحية لتجرية “خميس الاسرى” والقيمين عليها، وأملنا ان تستمر في سعيها لكي لا يبقى سجين في سجون الاحتلال.
*كاتب لبناني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر