كامل المعمري*
بيروت هذا الأحد لم تكن مدينة نعرفها، بل كانت القيامة نفسها، تتنفس من صدور الجموع، تتسلق جدرانها المائلة، وتطل من عيون الشوارع كأنها شاهدة على ساعة الحساب…لم يعد الحجر حجرا، ولا الرصيف رصيفا، بل صارت الأرض جلد وحش هائج ينتفض تحت أقدام الملايين… الجموع، يا إلهي،كأنها الطوفان! كأن الأرض انشقت فجأة وأفرجت عن أرواح كانت محبوسة منذ الأزل… بشر لا يحصون، وجوه تشبه الأنقاض لكنها ترفض السقوط… والسماء، التي كانت يوما زرقاء، صارت شاشة رمادية معلقة فوق الرؤوس، كأنها عين الله ترقب ما يحدث تحتها، وتنقل لأهل السماوات هذا المشهد… بيروت لم تكن تشيع شهيدا، بل كانت القيامة تستيقظ في أحشائها، تعلن أنها لن تركع، وأن جذورها ستبقى راسخة كالجبال حين تزلزل الأرض من تحتها… طوفان بشري، من كل الأجناس، يحملون قلب الأرض على أكتافهم ويهتفون لبيك يا نصر الله….صدى القيامة في بيروت كان زلزالا يزحف باتجاه المدن الفلسطينية المحتلة… ارتجفت الأبراج في تل أبيب، وتشققت الحسابات الدقيقة. القلق يملأ المكاتب، والشاشات ترصد النعش كأنه سفينة نوح وبيروت لا تهدد..بل تنذر.
وبقدر غضب بيروت كان الحزن يلف الجموع الغفيرة…كيف لهذا الجمع المذهول، المثقل بالوجع، أن يودع صوته؟ ذاك الصوت الذي كان لهم ملاذا، يربت على أكتافهم حين ضاقت الأرض، ويشد من عزمهم حين تتثاقل الخطى… كيف يطوي هذا الحشد وجها كان، كلما يطل عليهم، صار الجدار أقل قسوة، والليل أقل عتمة؟
كان إذا خاطبهم، تتراجع المسافة بين القلب والسلاح. كان إذا سخر من العدو، يحيل خوفهم إلى رماد، وكأن ضحكته مقلاع حجاراته تهشم زجاجهم المصف…. كان يراوغ الموت بالكلمات، يركض في حقول النار دون أن تحترق قدماه، واليوم، جاءه الموت أخيرا… لا على حين غفلة، بل كما أراده هو، واقفا، باسقا، لا منحن ولا منكسر.
هنا دمعة أم قدمت أبناءها شهداء تنادي: يا أبانا، يا شهيد الأمة، كيف نعيش غيابك ونحن الذين كنا نحيا بحضورك؟
هذه الحشود التي كانت تشرب حديث الشهيد نصر الله كما تشرب الأرض المجدبة ندى السماء، كيف لها أن تقف اليوم تحت سماء صماء، تنتظر كلمة لن تأتي؟ كان يطل عليهم فيشد أزرهم بكلمات كأنها الريح تمشي بين أشجار الصبر، يحنو عليهم كما يحنو الجبل على قراه المعلقة بأطرافه، ويسخر من العدو الصهيوني بضحكة كأنها رعد يهز أركان الظلم. فكيف تودعهم، وكانوا يرون فيه الأب الذي يحمي، والنور الذي يهدي؟ كان أيقونة تضحك من جبن العدو تحمل سخرية المقهورين كسلاح… كان يرفع يده فتنزلق كلمات الإسرائيلي إلى الحضيض، كان يهمس فتنكسر أسنة الصواريخ… كيف تودع جسدا صار جبلا؟ كيف تغمض عينين ظلتا مفتوحتين كنافذتي أمل؟
رجل سبعيني يقول أمام الكاميرات: رحلت، نعم، لكنك لم تتركنا وحدنا. تركت لنا إرث الغضب، ووصية النار. سيقول العدو ها قد سقط، لكنهم يعلمون أن الأبطال لا يموتون حين يسقطون، بل حين يُنسَون. وأنت، والله، لن تُنسى.
لقد كنتُ معكِ يا بيروت، من خلف الشاشة في صنعاء لم يكن جسدي هناك، لكن قلبي كان بين الجموع، يتنفس غضبهم، يكتب حزنهم كنتُ هناك، أرقب الدموع حين تختلط بالغضب، وأسمع صدى القلوب وهي تهتف بما لا تقدر الكلمات أن تحمله. كنت أعيد كتابة الوجع بلغةٍ تعلّمتها من فقد القلب مرتين، بلغة تعرف أن الحزن لا يُكتب إلا بالدمع، وأن الغضب لا يُترجم إلا بصوت الشوارع حين تثور…وصنعاء، يا بيروت، لم تكن بعيدة عنكِ كانت تشاطركِ الوجع والغضب، تفتح نوافذها على صدى جراحك، وتترك قلبها معلقًا على أسلاك الحنين. من بين أزقتها ارتفع الدعاء والنداء، وكأن بينكما وعدًا قديماً لا يخون. صنعاء كانت هناك معكِ، في الهدير والزحام، في الغضب الذي لا يعرف حدوداً، وفي الدموع التي لا تُفرّق بين شهيد وشهيد…
كنا معكِ، نحن الذين نعرف أن المدن تشبه بعضها حين تنزف، وأن الحزن العظيم لا يعترف بالمسافات.
*نقلا عن رأي اليوم
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر