الإثنين , مارس 16 2026
الرئيسية / اراء / ما فشل الكيان في تحقيقه هل كُلف به الأشقاء؟

ما فشل الكيان في تحقيقه هل كُلف به الأشقاء؟

د.محيي الدين عميمور*
رائحة نتنة تتصاعد من أطهر أراضي الجهاد الوطني تثير الشكوك لا في طبيعتها فحسب ولكن أيضا في توقيتها وخلفياتها، وخصوصا في تزامنها مع زوبعة إعلامية هبّتْ من قنوات الصرف الصحي المتلفزة، كما يسميها كثيرون، أرهقتنا بتحاليل نمطية مُعلبة ممن يُقدّمون كمعلقين استراتيجيين وخبراء سياسيين، كان واضحا أنهم “دمًى” يحركها “مهماز” لكيلا أقول، مجرد “كومبارس” مدفوع الثمن.
وتناقلت بعض القنوات لقطات تبين تظاهر شرذمة فلسطينية في عاصمة السلطة، وبرعايتها وتوجيهها على ما يبدو، راحت تهتف بسقوط حركة “حماس” وتحملها وزر ما عرفته “غزة” الشهيدة.
وكان من الغريب أن تلك الشرذمة لم ترفع هتافا واحدا يندد بالعدوان الإسرائيلي حتى على الضفة الغربية نفسها، والتي لم تعتذر السلطة عن فشلها في حمايتها بل راحت تطالب بأن تترك لها مهمة السيطرة على قطاع غزة، بوقاحة من لا أجرؤ، أدبا، على تسميتها.
وتزامن ذلك مع أخبار ترددت حول ارتفاع عبارات تنديد بالمقاومة انطلقت من بعض العناصر في تظاهرة شعبية بالقطاع، وبدا وكأن مكلفين بمهمة تسربوا إلى واجهة تظاهرة كانت أساسا تندد بالعدوان الإسرائيلي، وبالمصادفة كان ذلك أمام كاميرات حدث أن كانت في عين المكان.
وأعلنت تلفزة عربية عن “جمعة غضب” ضد “حماس”، وهو ما كذبته، بالصوت والصورة، عشائر جنوب غزة، كما كذبه واقع الجمعة اليتيمة، لكن التلفزة “الشقيقة” لم تنقل التكذيب لأن “البترودولار” لا يريد ذلك.
ويحدث كل هذا بعد أن نقض الكيان الصهيوني اتفاق وقف إطلاق النار وراح يعمل على استكمال مهمته الإجرامية في الإبادة الجماعية، وتزامن ذلك مع استشهاد عدد من قيادات حركة حماس بشكل مريب، ضاعف من الشكوك حوله ما تردد عن دورٍ لأصابع عربية في هتك أسرار الواقع الفلسطيني، لمصلحة العدوّ الصهيوني.
ومنذ ما سُمّيَ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وخصوصا عندما تأكد أن ما تم في الجنوب اللبناني تحت عنوان الهدنة كان بابا دخل منه العدوان الصهيوني لممارسة عملية انتقام ممنهجة ضد المقاومة اللبنانية، منذ ذلك الوقت تفاديت أي تعليق على أحداث لم أكن أملك كل معطياتها.
لكنني تذكرت الدور الذي قام به “الحرْكى” في جزائر الثورة، والذين تعاملت معهم القيادة بقسوة تجاوزت تلك التي تعاملت بها مع العناصر الفرنسية، ولدرجة أن الفدائي الجزائري “محمد بن صدوق” الذي كُلف باغتيال العميل “علي شكال” في الملعب الرياضي بباريس لم يطلق الرصاص على الرئيس الفرنسي الذي كان بجواره، وقال للمحققين بأن الخائن الجزائري أكثر خطرا على الثورة من أي فرنسي، وهو حدث تاريخي استرجع كثيرون في الجزائر ذكراه ودلالته.
ولاحظ الجميع أن تلك الهتافات البليدة ضد حركة حماس انطلقت بعد تصريحات واضحة صريحة من قيادات عربية، كان من بينها الأمين العام للجامعة العربية، سبقتها بأيام معدودة تصريحات إعلامية وتلتها تحليلات تقدم بها عسكريون سابقون وكلها تصب في نفس الاتجاه الذي يطالب حركة المقاومة بالتخلي عن مسؤولياتها النضالية، ويحملها “ضمنيا” مسؤولية الإبادة العرقية والهوس الإجرامي الذي تتعرض له غزة هاشم، ويحملها “مباشرة” مسؤولية عرقلة تعمير القطاع في حالة رفضها رفع الراية البيضاء.
ودائما بالنسبة للتوقيت، جاء كل ذلك بعد نظريات، بدت هلامية في البداية، أعلنها البلطجي الأمريكي حول المستقبل الذي يراه للقطاع، وتناغمت معها بذكاء ماكرٍ نتائجُ القمة العربية المضحكة، التي صادقت على مخطط اتفق عليه مسبقا في تجمع “أخويّ.
لكن، كان واضحا أن هناك من يريد أن يكسب وقتا للتخلص نهائيا من أعباء القضية الفلسطينية، بالتخلص ممن يحملون رسالة القضية الفلسطينية، وهو ما يفسر السعي المتشنج للتخلص من سلاح المقاومة، وتنفيذ ما عجز الإرهابي الصهيوني عن تحقيقه قرابة العامين.
ولن أعتذر عن إطلاقي صفة “المضحكة” على قمة لم تُشِرْ بالوضوح المطلوب إلى جرائم الكيان التي نددت بها قيادات وشعوب بعيدة عنا دينا ولغة وانتماء، ولم تتحمل القمة مسؤولية المطالبة الحازمة بإدخال المساكن المؤقتة والمتطلبات الاستعجالية الغذائية والطبية إلى المنطقة المنكوبة، وخاصة في شمال القطاع، الذي أصبح أقرب إلى “هيروشيما” بعد السادس من أغسطس 1945.
وتواصلت مواقف الخذلان، فلم يكن هناك ردّ فعل على رفض دعمي الكيان وداعميه لمقترحات القمة، بل أصبح قادتها يتصرفون تجاه ما يحدث اليوم في غزة بأسلوب “شاهد ما شافش حاجة”، في حين أن عملية التقتيل تكاد تنقل يوميا بالصوت والصورة.
ولعلي كنت أول من تساءل ما إذا لم يكن الشهيد “يحيى السنوار” قد أخطأ في حساباته وهو يتخذ قرار السابع من أكتوبر 2023، مما عرضني يومها لانتقادات كثيرة، لم يكن كثير منها بعيدا عن المزايدة.
وأذكر بأنني قلت: المؤكد أن الشهيد العظيم كان يعرف، بحكم خبرته في التعامل مع الصهاينة ومدى شراسة الذئب الجريح، أن الانتقام سيكون رهيبا، لكن الأهم من هذا هو أن القائد العظيم لم يكن يتصور أن تصل الدياثة السياسية بقيادات عربية إلى حدّ تشجيع “بايدن” على دعم الإجرام الإسرائيلي، وهو ما أثبته “وودوارد” بعد ذلك في كتاب “الحرب”، ولم يكن يتوقع أن تصل النذالة بأطراف عربية إلى حدّ التخلي عن سيادتها الوطنية في تمرير المساعدات الطبية والغذائية الموجهة إلى أبناء غزة، بل وفرض إتاوات بالدولار الأمريكي على جرحى يحاولون الفرار من الجحيم إلى حيث العلاج.
وهكذا، لا بدّ من الاعتراف بأن السنوار، مع كل خبرته، لم يكن يتوقع ذلك الحجم من النذالة والسقوط والدياثة عند قيادات عربية، يبدو أننا تواطأنا جميعا على إخفاء بعض ما كنا نعرفه عن ارتباطاتها مع حلفاء العدو، بل ومع العدو نفسه، وهو ما كنت أشرت له باحتشام في حديث سابق عن التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية العربية والموساد الإسرائيلي”.
كان ذلك بعض ما قلته في نوفمبر الماضي، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز كل ما كان يمكن أن نتوقعه، حيث يقوم الأشقاء الآن بتنفيذ ما عجز الأعداء عن تحقيقه عبر العقود الماضية، وبفجور لا يحاول حتى افتعال الحياء الديبلوماسي.
وإذا كانت الدياثة العربية والإسلامية قد استحقت شهادة “الباكالوريا” في الأشهر التي تلت السابع من أكتوبر 2023 فإنها تستحق اليوم أعلى الشهادات الجامعية.
فالذي يبدو هو أن هناك تواطؤا بين الكيان الصهيوني وكل القيادات العربية، بما فيها السلطة الكسيحة، لفرض “الهجرة القسرية” على أحرار وحرائر غزة، الذين أثبتوا، بعد اتفاقية وقف إطلاق النار وعبر الاندفاع الجماعي الحماسيّ نحو الشمال، بأنهم يتمسكون بأرضهم ولا يرضون عنها بديلا، ولم يرتفع يومها من بينهم صوت واحد يدين المقاومة أو يتجاوب مع ما يقوله “أبو الغيط” أو ما يريده “ترامب” وينفذه “نتنياهو”.
ولن يكون من باب المبالغة القول بأن القيادات العربية تريد عقاب أهل غزة لأنهم فضحوا ملوك الطوائف الجدد الذين أثبتوا أنهم أكثر تخاذلا ومهانة وجبنا ممن أضاعوا الأندلس، وفضحوا النخب السياسية العربية التي تتفنن في طمس الحقائق بادعاء الحكمة والموضوعية، وذلك بعد أن فضحوا نفاق المؤسسات الأممية وقيادات الشمال التي تأكد أنها تحيي نزعات الحرب الصليبية وتستعيد نداءات البابا أوربان الثاني، وهو ما جسده وزير دفاع “اليانكي” بالكتابات التي وشمها على ذراعه.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية، فبدلا من أن يُمسك الشقيق بيد المشرف على الغرق لينقذه فإذا به يضغط على رأسه في الماء ليضمن سكوته إلى الأبد، ولتختفي معه كل معالم الغدر والخيانة التي تعامل بها شقيق، كان أسوأ من العدوّ.
وما يتم اليوم هو محاولة تحويل الأنظار عن إجرام الكيان الصهيوني بافتعال وضعية يواجه فيه الفلسطيني فلسطينيا آخر بدلا من أن يلتحم الاثنان لمواجهة العدو التاريخي وحلفائه، وهكذا يمكن إنجاز المشروع الإبراهيمي بأسلوب “من لحيته بخّر له”.
وربما كان خطأ المقاومة الأساسي أنها لم تدرس مأساة “طليطلة”، التي كانت تنتظر نجدة ملوك الطوائف فإذا بها تكتشف، بعد أن ضاع كل شيء، أنهم كانوا همُ العدوّ.
وأتذكر صرخة والدة الشهيد في الفيلم الجزائري ‘الأفيون والعصا” وهي تصرخ في ابنها والعدوّ يتأهب لإطلاق الرصاص عليه…”يا علي …موت واقف”.
وأظنها عبارة يمكن أن ترفعها اليوم كل “خنساء” في أرض الرباط، صارخة بها في وجه أشقاء السوء قبل أعداء الوطن.
ولا قرت أعين الجبناء.
*كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

استفادة السعودية من أزمة الامارات.. ونضج صنعاء!

  منى صفوان* هذه حرب متداخله المصالح والخسائر، هناك من يجني أرباحاً سياسية، وهناك من …