د. هيثم الصديان*
حين ثار الثوّار على نظام الأسد، لم يثوروا على شخوص النّظام، ولم تكُ غايتهم الإطاحةَ بـ:(بشّار الأسد) ذاته، فهو لم يعنهم شيئاً، إنّما كان الوطن كلَّ عنايتهم؛ فكانت ثورةً على نظام بأكمله، وما يمثّله هذا النّظام من بنية فاسدةٍ مفسدة متسلّطة مستبدّة، مستأثرة بكلّ ما في هذا الوطن ومتجبّرة على كل مَن فيه.
وهذا هو الوجه الصّحيح للثورة السّورية، ولقِيَمِها ومبادئها؛ فهي ثورة على آليّة بنية النّظام لا على شخوصه. وكانت تسعى إلى تحرير الوطن من هذه البنية، ومن منظومتها المستبدّة. لقد كان خيارها التّغيير السّلمي، الذي يحمي للدولة هيكلها المؤسّساتي الذي ينتظم حياة البلد وشعبه. ولم يكن التّسليح افتراضاً مطروحاً ولا مقبولاً، بيد أنّ النّظام من جهة، والمندسّون في الثّورة وعليها من جهة أخرى، هما من مال بها وحرّفها عن مسارها الطبيعيّ المسالم. فانتهت الثّورة إلى حين، ولم ينته الثّوّار ولم ييأسوا أو يسلّموا، انتهت لتبدأ سوريا مرحلة جديدة من الاحتراب والاقتتال بين السّلطة ومعارضتها المسلّحة. وذهب الوطن في خطّ منحدرٍ نحو الهاوية، جارفاً معه النّظام السّلطوي المتكبّر ومعارضته المسلّحة، وقبلهما جارفاً معه البلد كاملاً إلى مرادي الردى والدّمار والانهيار والموت. نعم هو الموت الذي ملأت رائحته سماء هذا الوطن وأرضه، حتّى صار أكبر مأساة في هذا القرن، ومنذ الحرب العالميّة الثانية.
ad
ثمّ شاءت الظروف أن يُعلن في الثّامن من سبتمبر (2024) سقوط بشّار الأسد. لقد احتفل الشّعب معظمه بهذا السّقوط وفرح به أيّما فرح. وتأمّل النّاس انتهاء حقبة ظالمة مستبدّة، والتّحوّل إلى حقبة وطنيّة جديدة. لقد كان أملُ السّوريّين أن يشرعوا في تدشين عهد جديد، ينسيهم مآسي الماضي ويعوّضهم خيراً منها.
ومنذ ذلك اليوم بدأ الجميع يرفع راية التّاريخ الثوّري، ليس الصّامتون فحسب، حتّى أولئك الذين كانوا من منظومة أزلام النّظام السّابق وأقداحه. وصار أغلب السّوريّين أصحاب تاريخ ثوريّ من قريب أو بعيد. علماً أن الثّوّار هم مَن ثار عليه سلميّاً وشارك في المظاهرات، ويمكن أن يُحسب عليهم من عانى تحت سلطة ذاك النّظام ولم تسمح له ظروفه بالمغادرة، وكذلك أولئك الذين سكنوا الملاجئ وعانوا ما عانوا؛ هؤلاء وإن كانوا ليسوا ثوّاراً لكنّهم يمثّلون حالة وطنيّة ذات نسب قريب من الثّورة. وأمّا الذين أيّدوا النّظام أو هاجروا وعاشوا حياتهم فليسوا على الحقيقة من الثّورة.
هؤلاء، أصحاب التّاريخ الثوريّ المزوّر، هم من أعلن سقوط الأسد وروّج للمرحلة الجديدة؛ إنّهم الذين لا ناقة لهم ولا جمل بفكرة الثّورة أو بتشييدها وبحركة مسارها. كذلك أولئك الذين هُجّروا رغماً عنهم وهم صبية صغار، وعاشوا وترعرعوا تحت مرمى نيران النّظام وبراميله؛ فهؤلاء بحكم معاناتهم صار سقوطُ الأسد غايةً وأملاً، وليس الثورةُ ومبادئُها.
ad
لكنّا لو أخضعنا الواقع السّوري الجديد الذي أعقب الثّامن من سبتمبر، لو أخضعناه لسُلّم الامتحان الثوريّ الصحيح، ذاك السُّلّم الذي وضعه الثوّار الأوائل وصاغوا بنوده ومضامينه، الذين خرجوا وصنعوا ثورتهم من أجل تغيير نظام، من دون أن تعنيهم الأسماء ومسمّياتها في شيء، الذين أنجزوا ثورة طالبت بالتّغيير البنيويّ الكامل لهذا النظام المستبد الفاسد، ثورة سعت إلى الوصول بسوريا إلى المكانة التي تستحقّ سياسيّاً واقتصاديّا واجتماعيّا وعلميّا وثقافيّاً وفكريّاً… لو أخضعنا هذا العهد لذاك السّلم لكانت نتيجة التّغيير صفراً. ولحقّ لنا أن نتساءل بين يدي سُلّم الثّورة، وأمامنا ورقة واقعنا القائم: هل حقّا سقط الأسد…؟!
فإن كان الأسد نظاماً فاعلاً وبنيةً قائمةً، وليس اسماً وشخوصاً، وهذه البنية ما زالت حيّة وحيويّة، ونظامها ما زال بحيويّته الحركيّة الفاعلة، إذا كان كلّ ذلك كذلك:
فمتى يسقط الأسد؟
*كاتب سوري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر