نادية حرحش*
في زمن تنهار فيه العدالة فوق أجساد الأبرياء، وتُسحق فيها القيم علناً على مرأى العالم، يبدو الحديث عن “صفعة زوجية” أمرًا صغيرًا، وربما تافهاً.
لكن أحياناً، التفاصيل الصغيرة تُخبرنا عن أنفسنا أكثر مما تفعل الكوارث الكبرى — لأنها تكشف أي أنواع الظلم نأخذه بجدية، وأيها نمرّره بضحكة.
أثار مشهد صفع بريجيت ماكرون لزوجها، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لحظة نزولهما من الطائرة خلال زيارة رسمية إلى فيتنام، سيلاً من التعليقات الساخرة على وسائل التواصل والإعلام على مدار يومين. توقفت طويلاً أمام هذا المشهد، لا بدافع الفضول السياسي، بل كتمرين ذهني بسيط: ماذا لو كان المشهد معكوساً؟ لو أن ماكرون هو من صفع زوجته؟
أحاول تخيّل ردود الفعل:
الخبر العاجل، الغضب على الشاشات، المطالبات بمحاكمته، مقالات نسوية لا هوادة فيها، وربما أيضاً استقالة مبكرة “بضغط شعبي”.
لكن لأن الصفعة صدرت من امرأة تجاه رجل — بل من زوجة تجاه رئيس دولة — فقد تم تمريرها بنوع من الطرافة العابرة، بل وبنبرة “محببة” لدى البعض.
كأنّنا أمام لحظة رومانسيّة مقلوبة، لا حادثة عنف جسدي.
قد يُقال إن ماكرون ليس محبوباً عالميّاً، ولا زوجته كذلك، وربما لهذا لم ينل المشهد تعاطفاً كبيراً.
لكنني أظن أن ما حدث يتجاوز شعبية الشخصين، ليفتح باباً صعباً نادراً ما نطرقه بجدية: هل يُمكن أن يكون الرجل ضحية لعنف زوجي؟
وإذا كان كذلك، لماذا لا نأخذ الأمر على محمل الجد؟
في المقابل، الإعلام سبق أن رسم صورة لميلانيا ترامب كضحية محتملة في علاقتها مع دونالد ترامب، وراح يقتنص لحظات الصمت والجمود كإشارات “مشفّرة” للمعاناة.
لاحقًا، صارت تُحتفى كمثال على امرأة استعادت شخصيتها.
أما ماكرون، فمجرد موضوع للسخرية، لا أكثر.
كأنّ الرجل، بطبيعته، لا يُصاب، لا يُعنَّف، أو على الأقل، لا يُؤخذ على محمل الضحيّة.
تعليق ماكرون على الحادثة — حين قال إنها “خلاف زوجي عادي” — أعاد لذاكرتي مشاهد نساء تعرضن للضرب، وحين سُئلن عن آثار الكدمات، ألقين اللوم على السلالم أو الأرائك، ودافعن عن “الزوج الطيب”.
المشهد قد يبدو بسيطًا، لكنه يحمل دلالة إنسانية عميقة:
العنف لا جنس له.
قد يصدر من امرأة تجاه رجل، كما من رجل تجاه امرأة، والمفارقة أننا ما زلنا نتعامل مع الأولى كمزحة، والثانية كجريمة.
لا أدّعي أن الرجال يعانون من العنف بنسبة مساوية للنساء — فهذا غير صحيح.
بل أعترف أن هذه الحالات لا نعرف عنها الكثير، في مقابل عنف منهجي تمارسه أنظمة وثقافات بأكملها ضد النساء.
لكن هذا لا يبرر أن نُسقط تلك الحالات من الاعتبار، أو نعاملها كطُرفة على هامش المجتمع.
ما يجعل قصة ماكرون أكثر تعقيدًا هو البُعد النفسي والاجتماعي لعلاقته بزوجته.
فارق العمر بينهما كبير، وهذا لا يُخفى.
الكثيرون شبّهوا الصفعة وكأنها صادرة من أم، لا من شريكة.
تخيّل لو كانت الأدوار مقلوبة: رجل في السبعين متزوج من سيّدة تصغره بعقدين ونصف.
أغلب الظن أننا كنا سنجد أنفسنا في مواجهة اتهامات “بيدوفيليا سياسية”، وحملات إدانة لا تتوقف.
لكن عندما تكون المرأة هي الطرف الأكبر سنّاً، يُقابل المشهد غالباً بصمتٍ ثقيل لا يخلو من التّهكّم.
وفي أحسن الأحوال، تُعامل العلاقة كحالة غريبة، لا كاختلال يستحق المواجهة. ولعل الأكثر إثارة للحيرة في قصة ماكرون ليست الصفعة بحد ذاتها، بل طبيعة العلاقة التي مكّنتها.
فارق العمر، وطبيعة النفوذ، يذكّران — بسخرية ثقيلة — بعلاقات “الخضوع الرومانسي” كما صوّرتها الثقافة الشعبية.
بل إن العلاقة بأكملها تبدو، في لحظة تأمل غير بريئة، وكأنها نسخة فرنسية ناعمة من ” خمسون لوناً من الرمادي”، بحضورٍ واضح لصديقة الأم التي اختارت ألا تتركه مراهقاً وتسرق روحه بخدش براءته.
حتى من الناحية الجسدية، ما حدث لم يكن مجرد لحظة مزاح ثقيلة. كانت هناك دفعة مزدوجة بكلتا اليدين على مؤخرة رأس ماكرون — وهي حركة يصعب تفسيرها كعفوية.
الدفع بهذه الطريقة، خصوصًا في منطقة حساسة كالجزء الخلفي من الرأس، يحمل دلالة عدوانية، وكأنه يتجاوز الخلاف العابر إلى استعراض هيمنة.
ماكرون نفسه بدا مرتبكاً بعدها: قبضته مشدودة، عضلات وجهه متوترة، ونظرته ثابتة بشكل غير مريح.
ومع ذلك، تمالك نفسه، مدّ يده للسلام وأكمل اللحظة — بابتسامة خافتة، أو ربما مصطنعة.
أعلم أن هذا النص يبدو ساخراً في بعض أجزائه، وربما ابتسمتُ وأنا أكتبه، لكن ليس تهكمًا، بل لأن المفارقة أحياناً تصبح الطريقة الوحيدة لتحمّل الواقع.
نضحك لا لأن الموقف مضحك، بل لأن البديل قد يكون أكثر ألماً.
ما حدث مع ماكرون ليس مجرد لقطة طريفة عابرة.
إنه تذكير مزعج بأن مفهوم “الضحية” لا يجب أن يُختصر في صورة نمطية.
إن كنا ندافع عن العدالة، فعلينا أن نقبل أن العنف مشكلة سلوك، لا مسألة جنس.
أن الضحية قد تكون امرأة — وقد يكون رجلًا أيضاً.
وأن التصفيق لأحدهما، والسخرية من الآخر، هو ظلم آخر، مقنّع هذه المرة بشيء من الضحك.
وبصفتي امرأة تؤمن بالعدالة والحقوق، لا يسعني إلا أن أتعاطف مع ماكرون، لا كرئيس، بل كإنسان.
رجل لا يزال شاباً، أمامه فرص كثيرة، ونساء أكثر.
لكنه بحاجة أولاً إلى أن يخرج من هذه العلاقة — لا كطفل خرج من حضن أمه، بل كرجل قرر أخيراً أن لا يُصفَع مجدداً.
مع امرأة تُقدّره، لا تتحكم به.
لا تتصرف كأم تُربيه… ولا كزوجة أب شريرة تحكم عليه بالنفي العاطفي كلما عبّر عن نفسه بما لا يرضيها.
وربما، من يدري؟
قد يكون الوقت قد حان ليطلق الرجال حول العالم حملة “كلنا ماكرون”، أو نسخة فرنسية من “MeToo” —
فها هي فرنسا، بلد الحريات والنور، يُصفع رئيسها على مدرّج الطائرات، ولا أحد يرفع حاجباً.
*كاتبة فلسطينية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر