د. هاني الروسان*
يبدو ان الظرف الاقليمي الذي جاءت فيه زيارة الرئيس السوري احمد الشرع الى اذربيجان لا يسمح بفهمها على أنها واحدة من تقليعات النظام الجديد الدبلوماسية لتثبيت اركان شرعيته او انها تعبير عن رغبة ثنائية لتطوير التعاون بين البلدين، كما انه لا يمكن عزلها عن التفاعلات التي نجمت عن تموضع دمشق في خارطة التوازنات الجديدة.
وما يزيد من الملابسات التي تجعل هذه الزيارة ذات مغزى خاص هو تزامنها الصامت مع وجود وفد أمني إسرائيلي في العاصمة ذاتها، في إطار مشاركته في منتدى للطاقة الإقليمية، وحضور لافت لأطراف دولية تُعرف بإدارتها للملفات الخلفية ذات الحساسية العالية، خاصة تلك المتعلقة بترتيب خطوط التهدئة في الشرق الأوسط. وإذا كانت دمشق قد نفت بشكل قاطع وجود أي لقاء مباشر مع الإسرائيليين، فإن هذا النفي لا يلغي حقيقة أن العاصمة الأذرية باتت في الأونة الأخيرة منصة تواصل وظيفي بين أطراف متنازعة، ومركزا لإعادة تدوير قنوات الاتصال غير الرسمية بينها، خصوصًا في ملفات تتعلق بدول مثل إيران وتركيا وسوريا، وهو المثلث الذي يقع في المساحة التي تسمى بنطاق الامن القومي الاسرائيلي، خصوصًا في الملفات التي تمسّ مصالحها العليا، سواء ما يتعلق منها بانتشار النفوذ الإيراني، أو الأمن الحدودي مع سوريا، أو التوازنات التركية في المنطقة، مما يجعل من باكو ساحة خلفية محتملة لتحريك خيوط معقّدة في هذا المشهد.
وفي هذا السياق، تصبح زيارة الشرع مدخلاً مناسبًا لإعادة طرح سؤال قديم جديد: هل تتجه سوريا، تحت قيادتها الجديدة، إلى نوع من التطبيع غير المباشر أو المؤجل مع إسرائيل؟ وربما الأدق، هل ان دمشق تعيد صياغة موقفها الصلب تاريخيًا من التطبيع مع اسرائيل وفق إحداثيات جديدة تفرضها متغيرات الداخل والعزلة الإقليمية، ومعادلات التموضع الحذِر في نظام دولي آخذ في التشكّل؟ الإجابة لا يمكن أن تكون حاسمة بعد، لكن المؤشرات المتراكمة، وطبيعة السلوك السياسي الذي انتهجه الشرع منذ صعوده، تؤسس لفرضية قابلة للدفاع عنها وهي ان سوريا قد تكون بصدد الانخراط في مسار “تطبيع وظيفي” لا يشبه نموذج الإمارات أو البحرين من حيث الشكل، لكنه أقرب إلى ما فعلته الخرطوم والمغرب، وإن بأسلوب أكثر تحفظًا وبشروط تفاوض أكثر تعقيدًا.
فالتجربة السودانية تقدم لنا نموذجًا ذرائعيا واضحًا لما يمكن أن نصفه بـ”تطبيع الضرورة”. حيث خضعت الخرطوم، إثر سقوط نظام عمر البشير، لضغوط اقتصادية هائلة، ترافقت مع حاجة ماسة إلى إعادة إدماجها في النظام المالي الدولي، وكان الطريق الوحيد المتاح امامها لتحقيق ذلك كما قيل هو بوابة واشنطن، التي اشترطت لشطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب قيامها بخطوات عملية تجاه إسرائيل، وان لم يكن المجتمع السوداني ليس مستعدًا لها بعد، ورغم ذلك فقد قررت الطبقة الحاكمة آنذاك المضي قدما فيه مقابل ضمانات استراتيجية ومالية عاجلة. بمعنى ان الخطوة السودانية التطبيعية وضعت في سياق انعدام الخيارات الاخرى، فجاءت أقرب إلى ما يسمى بمناورات اللحظة الحرجة.
وفي الحالة السورية، ورغم ان الصورة تبدو أكثر تعقيدًا، لكنها لا تخلو من تماثل بنيوي. فالنظام الذي يحاول إعادة بناء شرعيته الداخلية والدولية بعد سنوات من العزلة، يجد نفسه أمام معادلة مشابهة: اقتصاد منهك، تحالفات متآكلة، وخطوط إمداد دولية معطوبة. وأمام ضعف قدرة الحلفاء التقليديين على إنقاذ ما تبقى من بنى الدولة والمجتمع، تصبح الحاجة إلى اختراق نوعي في العلاقة مع المحور الغربي والإسرائيلي أمرًا مطروحًا، ولو من تحت الطاولة، لتسويق هذا الشكل من التطبيع.
أما المغرب، فقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على ما يسمى بالمقايضة السيادية. فالرباط لم تدخل التطبيع من باب الاستجابة للضغط، بل من باب استثمار الفرصة. فقد اختارت توقيت إعلانها لإعادة العلاقات مع إسرائيل بدقة، بعد تأمين ما قيل انه اعتراف أمريكي بسيادتها على الصحراء الغربية. وهو ما تم تسويقه على انه يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التوازن بين الثوابت الوطنية والبراغماتية الدبلوماسية. وهذا ما يمكن أن يلهم دمشق للسير على هديه اذ تسعى وتقبل هي الاخرى، بتجميد المطالب المتعلقة بالجولان، أو على الأقل تأجيلها، مقابل الانخراط في تفاهمات أمنية مع إسرائيل وربما فتح قنوات تمويل لمشاريع البنية التحتية والطاقة. ما يجمع هذه النماذج الثلاثة، رغم اختلاف السياقات، هو أن التطبيع استخدم كذرائع لضمان ما يمكن تسميتها بالمصالح السيادية أو الاختراق الوظيفي. وهو على الأرجح المنطق الذي بدأ يوجّه بوصلة الشرع في خريطة تحركه الإقليمي.
في ضوء ذلك، يصبح لأذربيجان دور بالغ الدقة. فهذه الدولة التي حافظت على تحالف وثيق مع إسرائيل، دون أن تثير حفيظة طهران أو موسكو أو أنقرة، قد تكون المخبر المثالي لإدارة حوار غير معلن بين أطراف لا تزال تحمل عداوة ظاهرية. كما أن باكو أصبحت بفضل موقعها وعلاقاتها المتشابكة قادرة على أن تلعب دور الوسيط الصامت في ملفات كان من المحرّم الاقتراب منها، ومنها ملف الحدود السورية–الإسرائيلية، ومسارات الغاز الإقليمي، وخرائط النفوذ الجديدة بعد الانكفاء الأمريكي النسبي عن الشرق الأوسط. إن قبول دمشق بخوض تجربة شراكة طاقوية مع باكو، ضمن ترتيبات تمرّ عبر الأراضي التركية، وتحت أنظار الإسرائيليين، لا يمكن قراءته على أنه تحوّل اقتصادي فحسب، بل هو انخراط محسوب في منطق السوق الجيوسياسي. وفي مثل هذا السياق، لا يبدو غريبًا أن تختار دمشق الانفتاح البطيء، والمشروط، والوظيفي، بدلًا من القفز إلى الواجهة بإعلان صاخب. فالتطبيع في صيغته الجديدة لم يعد يتطلب حفلات توقيع، بل مجرد تواطؤ إقليمي على الصمت، وضمانات بعدم التصعيد.
بهذا المعنى، فانها قد لا تمثل زيارة الشرع إلى باكو لحظة تطبيع علني، لكنها بكل تأكيد لحظة كسر للجمود. إنها إيذان ببدء منطق جديد في تفكير دمشق، منطق لا ينسف سردية العداء التقليدية، لكنه يفرّغها من محتواها العملي، ويفتح الباب أمام إعادة ترتيب سلّم الأولويات، بحيث تصبح مصلحة بقاء النظام، وضمان تدفق المال، وتأمين الحضور الدولي، هي المحركات الحقيقية للسياسة الخارجية. وضمن هذه المعادلة، لا تعود إسرائيل عدوًا وجوديًا، بل طرفًا تفاوضيًا مثل غيره، يملك أوراق ضغط وأدوات مصلحة. وإذا صح هذا التقدير، فإن ما بعد أذربيجان قد لا يكون كما قبلها.
*كاتب وأكاديمي تونسي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر