الخميس , مارس 26 2026
الرئيسية / اراء / “ببوج” الهاون!

“ببوج” الهاون!

علي الزعتري*
الببوج باللهجة الفلسطينية هو النعال أو الشبشب المُستخدم في المنزل وربما للمشاوير البسيطة. لا يحتمل العمل الثقيل. و الهاون في الحرب مدفعٌ يُلَقَّمُ باليد قذائفَ تنطلقُ بسرعةٍ مذهلةٍ. أما في البيت فالهاون من نحاسٍ ثقيلٍ ومكانه المطبخ حيِ تُدَّق مكونات الطعام. في غزةَ هاشم الأبية يلتقي الببوج والهاون في تشكيل أعاجيب الحروب. و اللهِ أنها أُعجوبةٌ أن يُلَّقِمُ هاونهُ المقاومُ بقذائفِ النصر أو يرتقي الدبابة بالشواظ الشريف و هو يرتدي الببوج! إنه ببوجٌ يستحق أن يكون تذكارَ صمودٍ في مياديننا و صدور بيوتنا.
ليس هذا تهكماً بل ربما هو شارةَ العودة للأصول. لم يحارب المسلمونَ الكفارَ و جيوش روما و فارس و المرتدِّين و هم يلبسون الكثير و الغالي من العُدَّةِ و العتاد لكنهم حاربوا بضراوةٍ بسلاحِ العقيدة والإيمان. كانوا يقاتلون لهدفين هما النصر أو الشهادة. و ها هم مقاتلو غزة يُنهِضونَ هذه الروح بعدَّةٍ و عتادٍ من صنع سواعدهم و أرواحِ قتالٍ تجاهد للنصر كما تطلب الشهادة. السلاح باليد جاهزٌ للدكِّ من دون أن تصطف في طابور النياشين أو تمشي على وقع المعزوفات النحاسية. لا تصلهم الوجبات الجاهزة كما تفعل الجيوش لأفرادها و ربما لا ينامون بعيونٍ مغمضة. سلاحهم الأول و الأخير هو النداء الذي يستحضر النصر: الله أكبر و للِّهِ الحمد. وَلَّعْت!

الذي يمتلكه مقاتلو غزة يطلبهُ الجندي العربي و هو تفعيلَ عقيدةَ التحرير والإيمان بالنصر أو الشهادة. هل لضعفٍ في الجندي العربي؟ لا، قطعاً. بل لأن العقيدة التي زُرِعت فيهم منذ عقود هي عقيدةَ وظيفة لا عقيدة تحرير. ليست النِيَّةَ العربية تحريرَ بلاد محتلة بل البقاء دولاً و التعايش التطبيعي مع الصهيونية. و لذلك لعلَّهُ لم يعرف التاريخ غضباً و حنقاً من شعبٍ كما يعيشُ العربي الآن تجاهَ حالهِ مع الصهيونية و المصيبة أن لا يشعر به و يتجاهلهُ بل و يطفئ نيرانه النظامُ العربي من أجل الاستقرار الذي تقول الصهيونية أنه سيكون على هواها و بما ترضى.
آخِرَ إحصائية تقول أن عدد أفرادِ الجيوش العربية يبلغ حوالي ٣ مليون و ٤٠٠ ألف جندي منهم مليون و ٦٥٠ ألف جندياً فاعلين يعني هم فعلاً تحت السلاح و جاهزين للقتال. جيوشٌ نظاميةٌ يرتدي أفرادها ٧ مليون و يزيد فردةَ حذاءٍ عسكري من آخر من صنعته المصانع الحربية، لكن ببوجاً واحداً في غزة هو الذي يلفت الأنظار و يفرح القلوب و تلهج لصاحبهِ الأكف و الألسن بالدعاء! أليس هذا عجيباً؟ لن نعد الطائرات و المدرعات و السفن و المدافع العربية فهي كثيرة لكننا نتكلم بالأقدام الجندية التي لو مشت حافيةً لغطَّت مساحة فلسطين تحريراً من الناقورة لرفح و من الغور ليافا، و لما استطاعت الصهيونية أن ترمي عليهم قنبلة نووية و لا كرتونية. و أجزم أن نفوس الجنود العرب لهيبُ نارٍ توقاً لهذا اليوم، فلماذا يتمسكُ بالسلام الذي تذبحه الصهيونية نظامُنا العربي؟
سؤالٌ يجدُ إجابتهُ المعروفة في أن المكونات العربية متنافرة في إعادةٍ للمأثور: تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. الرهانُ أن تُذبحَ غزة و تُسَلَّم لكيانٍ هزلي عميلٍ يحكمها تحت إبهام اليهود. قد لا تتحرك الجيوش العربية لقلب مائدة هذا الرهان لكن غزة تفعل. عندها ما النصر إلا صبر ساعة. بالبوج و الهاون والشواظ ستنتصر.
*كاتب أردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

معركة هرمز!

  أحمد عبدالباسط الرجوب* أمامنا قراءة تاريخية مثيرة، تستند إلى وقائع حرب السويس عام 1956، …