الخميس , مارس 26 2026
الرئيسية / اراء / حين يطرق الخطر أبوابنا ونحن نيام!

حين يطرق الخطر أبوابنا ونحن نيام!

نجاح محمد علي*
ثمة خطر حقيقي يتقدّم كل يوم خطوة جديدة، يهدّد الجغرافيا العربية من أقصاها إلى أقصاها، بينما تغرق الشعوب في سباتها العميق. لم يكن هذا التهديد مجرّد نبوءة عابرة أو نظرية مؤامرة تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي، بل مشروع معلن منذ عقود: مشروع “من النيل إلى الفرات”، ذلك الحلم الصهيوني المحموم الذي لم يُخفَ عن أحد، بل جرى الترويج له علنًا كجزء من رؤية توسعية تستهدف الأرض والماء والثروات والهوية.
في ثمانينات القرن الماضي، نشر المفكر الصهيوني “عوديد ينون”، الذي شغل مناصب حساسة في الخارجية {الإسرائيلية} وكان مستشارًا لشارون، وثيقة بعنوان “استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات” في مجلة كيفونيم العبرية. تضمّنت هذه الوثيقة خطة دقيقة لتفتيت دول الشرق الأوسط على أسس طائفية وإثنية، تبدأ بتفكيك الجيش السوري وإلغاء اتفاقية فكّ الاشتباك الموقعة عام 1974، تمهيدًا لاحتلال جبل الشيخ.
الهدف الأول كان واضحًا: اختراق الجنوب السوري من بوابة الجولان، فالقنيطرة، فدرعا، فمحافظة السويداء، وصولًا إلى الشريط الحدودي الشرقي الذي يفصل سوريا عن العراق، ومن ثم التمدد نحو نهر الفرات. إنها حركة قطع شطرنج تُدار بخبث، تبدأ من الجبال السورية وتصل إلى منابع النهر.
كيف بدأ التنفيذ؟

تحت شعار “سنُغيّر وجه الشرق الأوسط”، باشرت القوى المتحالفة مع المشروع الصهيوني تنفيذ مخططها على الأرض. لم تكن الجملة مجرد وعد سياسي، بل إعلان حرب جغرافية ـ ديموغرافية ـ اقتصادية، قوبل عربياً بصمت القبور. جرى اختيار ممرّ داوود ليكون نقطة الانطلاق، وهو شريط يمتد من الجولان المحتل مرورًا بالقنيطرة ودرعا والسويداء، باتجاه الشرق نحو معبر البوكمال على الحدود السورية ـ العراقية، ومن ثم الالتفاف شمالًا إلى قاعدة التنف الأميركية.
في هذا المخطط، يصبح معبر التنف مركزاً حيوياً لتقديم الدعم اللوجستي والعسكري للجماعات الانفصالية. فالدروز في السويداء، والأكراد في الشمال الشرقي، والعلويون في الساحل، يُحوّلون إلى كانتونات سياسية قابلة للانفصال، وتُحاصر العاصمة دمشق من الجنوب والغرب، لتتمّ عملية تقسيم سوريا فعلياً إلى أربع كيانات عِرقية وطائفية.
السويداء والدروز: بوابة الخرق الناعم
حين مُنعت القوات السورية من دخول محافظة السويداء بحجة “دعم الدروز”، كانت المؤامرة قد تخطّت مرحلة التخطيط إلى التنفيذ. رفرف العلم الدرزي في السويداء بدعم واضح من جهات خارجية، وأُريد من هذا الظهور أن يكون إعلانًا غير رسمي عن كيان مستقل محميّ، يُستخدم لاحقًا كورقة تفاوض أو تهديد بحسب الحاجة.
ولم يكن ذلك منفصلًا عن موقف “حكمت الهجري”، الذي أصرّ على استكمال الاشتباكات تحت ذرائع داخلية، بينما حقيقة التموضع تنسجم مع خطوط المشروع الصهيوني التوسعي.
لماذا التنف والبوكمال؟
قاعدة التنف الأميركية ليست اختيارًا عشوائيًا. هي مفتاح الهيمنة على العقدة الجغرافية بين سوريا والعراق والأردن، ونقطة ارتكاز لأي مشروع تقسيمي قادم. من هناك يُراد فصل العراق عن سوريا، وقطع العمق الاستراتيجي بين دمشق وبغداد، وتأسيس منطقة عازلة تُفصل عن إيران. أما السيطرة على البوكمال فتعني ضرب صميم التواصل البري بين محور المقاومة.
لكن الخطر الأكبر يكمن في الفرات.
نهر الفرات: الجائزة الكبرى
ليس مجرد مجرى مائي؛ إنه شريان الحياة لشرق سوريا وغرب العراق، وجزء أساسي من مشروع الحلم الصهيوني. السيطرة عليه تعني امتلاك المياه، وبناء سدود، وبيع الماء لدول الجوار، وتوسيع أسواق الطاقة والمياه تحت سلطة الكيان الغاصب. كما تُمكِّن هذه السيطرة من التحكم بممرات الغاز العربي
في هذا السياق، تُصبح سوريا عقدة خنق استراتيجي لثلاثة مشاريع:

خط الغاز القطري الذي كان من المزمع أن يمر عبر السعودية والأردن فسوريا فتركيا ليُغذي أوروبا.
مشروع ربط الغاز العراقي بالشبكة الأوروبية.
خط الغاز الإيراني الممتد عبر العراق إلى سوريا فتركيا.
تم إجهاض المشروع القطري عام 2009 بتدخل روسي وضغط مباشر على القيادة السورية، لكونه يهدد السوق الروسية في أوروبا. أما اليوم، فالكيان الصهيوني وحلفاؤه يسعون لقطع الطريق على أي مشروع عربي ـ إسلامي لمدّ الغاز أو المياه، من خلال إحكام السيطرة على المفاصل الاستراتيجية: التنف، البوكمال، الفرات، حدود العراق ـ سوريا ـ تركيا.
حلم يتحقق أم كابوس يتكشّف؟
في ظل هذا المخطط الشامل، تتحوّل السويداء إلى “جيب مستقل”، والتنف إلى “قاعدة للأكراد”، والساحل إلى “إقليم علوي”، والعاصمة إلى “هدف محاصر”. يُفصل العراق عن سوريا، ويُطوَّق من الشمال والجنوب، وتُغلق بوابات الدعم الإيراني إلى الشام، وتُمنَع تركيا من تقديم أي مساعدة مستقبلية.
أمام هذا الواقع، لا مفرّ من السؤال:
أين العرب
أين المسلمون؟
هل ما زلنا نيامًا؟
الخطر قادم لا محالة ما لم يُواجه من الآن. ممر داوود ليس خيالًا؛ هو واقع يُصنع على الأرض. والسكوت عنه خيانة بحق الجغرافيا والتأريخ والمقدّسات والمستقبل.
*كاتب عراقي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

معركة هرمز!

  أحمد عبدالباسط الرجوب* أمامنا قراءة تاريخية مثيرة، تستند إلى وقائع حرب السويس عام 1956، …