بقلم/ احمد الشاوش*
كان يردد الملكيون بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر مقولة ” جمهورية من غج صاحبه غج” ، بينما كان يردد الجمهوريون ” جمهورية من قرح يقرح ” ، بعد ان أشتغل أنصار الامامة والجمهورية من القبائل قرعة بالجنيهات الذهبية ، وصار كل يمني يقتل أخيه اليمني مقابل المال الملوث وطاحونة المشاريع المشبوهة..
كانت الكثير من القبائل اليمنية وماتزال أشبه بتجار حروب المقاولة والوكالة ، تصطف مع الاقوى بغض النظر عن توجهه وأهدافه ومشاريعه السلبية والايجابية وتتجاوب بسرعة البرق مع من يدفع مال أكثر وتنقلب على النظام الضعيف والمستهلك والمُفَلس الذي نخرته ديدان الفساد وسرطانات العبث.
وكان المقاتل اليمني انتهازي بامتياز سواء مع حكم بيت حميد الدين أو الجمهوريين أو مع المصريين والسعوديين أو مع البريطانيين والامريكيين حتى مع الشيطان ، المهم يشتعل بثمانية بسطونات قرعة من الصباح الباكر مع الجمهورية مقابل الجنية الذهبي أو ماريا تريزا .. ومن بعد المغرب ومع حلول الظلام يقلب الشريحة مدافعاً مع الملكيين ، بينما كان العلماء والمثقفين والمفكريين والوطنيين والقوميين وحتى بعض القبائل المتعلمين يبحثون عن قيم التسامح والتعايش والمساواة والعدالة ودولة النظام والقانون وازالة الظلم والفوارق والامتيازات والابتعاد عن لغة البنادق والخنادق وحمامات الدم.
كان الملكيون تحت قيادة الامام ” البدر “محمد ابن الامام احمد حميد الدين ، المدعوم من بريطانيا والسعودية يقاتلون من أجل استعادة المُلك بحسب ماذكرة ” ديفيد اسمايلي ” في كتابه ، ودوره الخطير في الصراع الداخلي .. يدافعوا بشراسة عن النظام الملكي ، واخرج البدر الذهب والسلاح من المخازن والمدافن وتحت الاسوار ووزعه على قادة القبائل والمقاتلين والانصار من اجل استرجاع الحكم الامامي ولكنهم لم يحققوا امالهم فتلقوا هزيمة ساحقة وفروا الى السعودية التي تلقفتهم بالاحضان ومنحتهم السكن والمساعدات الشهرية من خلال اللجنة الخاصة الى يومنا هذا..
وكان الجمهوريين يتلقون الدعم العسكري والمالي واللوجستي من جمهورية مصر العربية ، وفي النهاية انتصرت الجمهورية العربية اليمنية بعد هزيمة الملكيين وسقوط مئات الالاف من القتلى والجرحى من الطرفين ودفعت مصر خسائر فادحة في الاوراح والاموال والعتاد العسكري ، و اعلن اليمن جمهوريته ، كما أعتمدت السعودية بطرق سرية وعلنية للكثير من كبار القادة العسكريين والامنيين ومشايخ القبائل والدين والوزراء الجمهوريين مساعدات من اللجنة الخاصة فيما بعد ليصبح الملكيون والجمهوريين مجرد متسولين وتابعين رغم الخطابات الحنانة الطنانة والحديث عن الارادة والثورة والجمهورية والسيادة والوطنية والقومية وانشودة اليمن اعلنها ثورة على الطغاة..!!.
كانت المعركة بين الجمهوريين والملكيين في كل مكان ، وكا ن الجمهوري يطلق الرصاص على الملكي المقاتل خوفاً من ان يبادرة أو يباغته بالرصاص ، واذا ما وجد سيد هاشمي يرتدي ” التوزة” أو” الثومة” ، او رجل يلبس العمامة والقميص زج به في السجن بأعتباره أمامي ، حتى فر الكثير من السادة وبني هاشم والقضاة وغيروا ملابسهم واساميهم وارتدوا الاثواب والبنطلونات ، وامتهن البعض منهم أعمال ضعيفة للبقاء على قيد الحياة ، لاسيما بعد جبروت ” السفاح هادي عيسى ” المشهور بكلمة ” قد اسمه جاء .. وفي رواية قد اسمه خرج.. أعدموه.. حتى لوكان بريء مما أثار سخط ابناء صنعاء وكانت نهايته صاعقة بعد الدردحه به في شوارع صنعاء وجعله عبره لعالمين.
وكما عمل الجمهوريين بالملكيين وانصارهم ومقاتليهم ، مارس الملكيون وانصارهم من العكفة والجندرمة ومحبي آل البيت نفس المرض والسيناريو بقتل الثوار والجمهوريين في البيوت والاسواق والجبال والوديان وزندقوهم وكفروهم وطلعوا فيهم عيوب البغلة ، كما لاحقوا الجنود المصريين وقتلوهم في كل مكان بصورة مرعبه.
وبعد سنوات من المآسي والدماء والدمار اتفقت السعودية بقيادة الملك فيصل بن عبدالعزيز ومصر تحت قيادة الزعيم جمال عبدالناصر على الحوار وايقاف الحرب واحلال السلام وتشكيل حكومة وحدة وطنية في اليمن ” وتقاسم الملكيون والجمهوريون المناصب والكراسي والحلاوى والهريسة وانسحب الجيش المصري من اليمن بعد هزيمة 1967م من قبل اسرائيل وخسائرة الفادحة في اليمن بعد ان غرس بذرة التعليم في كل مكان ورواها بكوادرة التربوية والتعليمية التي صنعت أجيال المستقبل والانفتاح على الحياة العصرية ..
إلا ان النُخب السياسية والفكرية والقيادات العسكرية هي اول من تآمر ودق المسمار الاول في نعش الدولة اليمنية الحديثة من خلال نشر ثقافة الفساد والافساد وتفريخ مراكز القوى العابثة وبث الحقد والفجور والكراهية والمناطقية والصراعات الحزبية والايدلوجية بالوكالة بعيداً عن الولاء الوطني ، وتكريس تبعية الكثير من القيادات العسكرية والحزبية والمشايخ والمثقفين لامريكا وبريطانيا وروسيا والسعودية والامارات وقطر وإيران وتركيا وسلطنة عمان دون محاسبة أو محاكمة او عقاب وأصدار أوامر رئاسية بأعفاء الخونة والعملاء من العقوبة رغم عمالتهم مع سبق الاصرار والترصد ، واستقواء بعض القادة والمسؤولين بهذا الشيخ والزير او ذلك السفير والتمرد على الدولة وقوانينها ونهب المال العام والاراضي والثروات وفاصل مقولة تصفير العدااااد .. كل ذلك هيأ المناخ الى مؤامرة واحداث الربيع العبري الذي أطاح بالدولة اليمنية ومؤسساتها وسيادتها واراضيها ومنجزاتها ومخرجات ستين عاماً من الكوادر والكفاءات والخبرات اليمنية نتيجة للفجور والانتقام السياسي الذي طعفر وشتت كل القوى اليمنية وخلق اوضاع مأساوية وزلزال مدمر كل نواحي الحياة.
الخونة عفو عام :
واكبر دليل على تلك الخيانات وابسطها انه قبل أحداث الربيع العربي بسنوات أجتمع السفير الامريكي بصنعاء بصحفيات وناشطات يمنيات ” .. ” وفي الطليعة الناشطة توكل كرمان وعدد من الزميلات والزملاء أحتفظ بأسمائهم ، للتهيئة ولعب دور مستقبلي لصنع يمن جديد من خلال ثقافة الفوضى الخلاقة وزعزعة الامن والاستقرار وتشويه صورة اليمن وبعد انتهاء اللقاء مع سعادة السفير الامريكي تم اعطاء كل ناشط 10 آلاف دولار في ظرف وما ان خرج باص السفارة الامريكية بالمناضلات والمناضلين البترو دولار الاشاوس ووصول المعلومات الى جهاز الامن السياسي من مصدر من الفريق المشبوه حتى تم ايقافه واقتياد الجميع الى مبنى الامن السياسي والبدء في عمل محضر ضبط للتلفونات والرسائل واثبات استلام كل ناشط عشرة آلاف دولار بمعية ثوار اليمن الجدد وتم التوقيع والتبصيم على الاقوال والاعتراف صراحة وبكل ثقة ودون اي خوف أو وازع أخلاقي خلال التحقيق وما هي الا ساعات حتى يضغط السفير الامريكي الحاكم بامر الله في صنعاء على القيادة السياسية التي وجهت عبر أكبر رأس في اليمن بأطلاق سراح العملاء ، وهو ماحدث بالفعل وسجل صدمة لدى المحققين بالامن السياسي بحسب ما روى لي القصة احد منتسبي جهاز الامن بمرارة والذي أكد على ان ملف الخيانة مازال موجود .
وقبلهم عبدالله الاصنج وزير الخارجية اليمني الذي افرجت الدولة عنه في قضية تجسس للسعودية وتمت محاكمته في تلفزيون صنعاء أيام اللونين الاسود والابيض من خلال القاضي عبدالله راجح ..رغم اعترافه بالذنب ولكن الدولة كانت أضعف من خيوط العنكبوت نتيجة للتبعية او العلاقات والمصالح والضغوط القوية .
وكم ياعملاء ، وكم يامرتزقه ، وكم ياتابعين وتافهين وكم ياسعيدة في سوق البيض من كل الطيف العسكري والسياسي والمدني والمشكلة ان كلهم مسؤولون في الدولة ويتسابقون على الخيانة والولاء الخارجي ويتحدثون عن الوطنية والقومية والدين الاسلامي والاشتراكية والناصرية .. بينما التهم تُلاحق وتُفصل لبعض الشرفاء والوطنيين من كافة الطيف.
سيطر الجمهوريون والملكيون تحت علم ويافطة الجمهورية العربية اليمنية .. وحدث استقرار نوعي في البلد ثم دخلت البلاد في حروب الجبهة الوطنية ذات الطابع الماركسي والمدعومة من نظام جنوب اليمن قبل الوحدة والرئيس القذافي ، ثم تغلبت الدولة اليمنية وسكتت أصوات الرصاص والمدافع والار بي جي والالغام ، ومن ثم ساد استقرار اليمن في ثمانينات القرن الماضي وحصلت تنمية وانجازات ومشاريع وفي التسعينات تم اعلان الوحدة اليمنية بين شطري اليمن وماهي الا شهر عسل حتى عادت حرب الانفصال في 94م بدعم بريطاني وخليجي وبعد انتصار الرئيس علي عبدالله صالح وشريكه في الحرب حزب الاصلاح وهروب البيض والجفري والسيلي وغيرهم أنتقلت البلد الى انتخابات 2006 ومحطة تصفير العداد التي أطلقها المناضل سلطان البركاني وبدأت بذور الفتنة وتغذية الاحزاب الشارع بالحقد والكراهية والمناطقية تحت عناوين التصفير وفزاعة التوريث والانفصال والقضية الجنوبية وقضية صعدة والتهيئة لمخطط وسيناريو الفوضى الخلاقة للرئيس الامريكي أوباما ونثرة الربيع العربي وشحن الاحزاب والشارع والخروج الى الساحات للمطالبة باسقاط النظام ورحيل صالح وما انعكس على ذلك من سفك دماء وتدمير للدولة والمؤسسات والمنجزات والشوارع والمدن والمحافظات وهو ما أدى الى الوضع الحالي والكارثة والمأساة والضياع والتجزئة والتقسيم وتلغيم اليمن القديم والجديد وتناسل الخونة والعملاء والتتابعة والمليشيات والجماعات والدويلات الكرتونية .
أحيراً ..اليوم تستمر الحكاية والقصص المحزنة والخيانة والعمالة والتبعية للشرق والغرب .. لذلك نقول ولا بديل الا في ظل انعاش قيم التسامح والتعايش وطي صفحة الماضي والجلوس على طاولة الحوار وتشكيل حكومة وحدة وطنية ويمن جديد خالي من الخيانة والمعالة والارتزاق والتبعية .. مالم فالكل منتهي والى زوال ونهايته رهيبة جداً ولايمكن تصورها على الاطلاق إن لم يلتقط فرصة مبادرة السلام بارادة حرة كما نقرأ المزاج الشعبي ونقيس الرأي العام اليمني فالقوة الداخلية او الاستقواء بالخارج وبلوغ مرحلة التعالي والغرور وسفك الدماء قد تطيح به في غمضة عين دون ان يشعر وهو في أعز قوته .. فهل من رجل حكيم ؟.
*رئيس تحرير سام برس
shawish22@gmail.com
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر