حماد صبح*
في الثاني عشر من سبتمبر 2005 انسحبت إسرائيل من قطاع غزة مرغمة مخفقة بعد احتلال له دام 38 عاما أقامت إبانها 21 مستوطنة في جنوبي القطاع ووسطه وشماليه، والتوزيع المكاني مقصود. كان شارون يقول إن مستوطنة نيتساريم الواقعة في خاصرة مدينة غزة الجنوبية تشابه في الأهمية والقيمة تل أبيب.
لا انسحاب من تل أبيب، فلا انسحاب من نيتساريم. وأجبرته المقاومة على نبذ ما قاله وما آمن به، فكان هو الذي اتخذ قرار الانسحاب إبان رئاسته للوزراء. ورجوعا في مسار التاريخ؛ انسحبت إسرائيل من قطاع غزة في 7 مارس 1957 بعد أن احتلته مع سيناء في حرب العدواني الثلاثي في 29 أكتوبر 1956 التي شنتها بريطانيا وفرنسا على مصر وشاركتهما فيها إسرائيل. وقبل الانسحاب بيوم واحد كانت الإذاعة الإسرائيلية تقول لن نتخلى عن “قيد أنملة ” في قطاع غزة.
وأرغم بن جوريون رئيس الوزراء زمان ئذ على الانسحاب من القطاع تحت وطأة الضغط الأميركي بقيادة الرئيس دوايت آيزنهاور . وقبل ذلك بتسع سنوات، في 948، أكرهت إسرائيل على الانسحاب من مستوطنة كفار داروم التي أقامتها في 1946 شرقي دير البلح، وكان الإكراه ناجما عن هجمات متطوعي الإخوان المسلمين المصريين والجيش المصري. وفي التاريخ البعيد، استولت غزة وجارتها الشمالية عسقلان على تابوت العهد الذي كان يجلب النصر للإسرائيليين على أعدائهم، وأصاب الطاعون بعض أهل المدينتين الفلسطينيتين الباسلتين، وعرفوا العلة، فأعادوا التابوت إلى الإسرائيليين تسحبه بقرتان. وأبدا يتكرر الإخفاق الإسرائيلي في غزة وجوارها، وأبدا لا يتعلم الإسرائيليون الدرس، وصفوته النقية أن غزة عصية على الغزاة والمعتدين عصيانا قدريا؛ هبة وبركة من الله _ جل شأنه _ . وإسرائيل اليوم معلقة من رقبتها في قطاع غزة. عشرات المشاريع اقترحتها للتصرف معه، وتتقهقر تقهقرا متلاحقا عن كل مشروع دون أي اتعاظ من إخفاقاتها التاريخية فيه، بل من إخفاقاتها القريبة في هذه المشاريع . إنها لا تتعلم شيئا من دروس التاريخ البعيد والتاريخ الجاري . ويتشاجر ساستها الفاشلون المتخبطون مع عسكرييها المحبطين الحائرين الذين تستولي الاضطرابات النفسية والعقلية على كثرتهم، ويتخلص بعضهم من حياته منتحرا. وكل هذا الفشل العريض والإحباط المسرف في مكان صغير محصور معزول عن العالم تهاجمه إسرائيل في حرب إبادة وتخريب عديمة الشبيه. ويصف الكاتب الإسرائيلي أنبلا سوفل في الزمرة الإسرائيلية الحاكمة ب “المهرجين الفاشلين “. هو الضلال الذي بز كل ضلال، هو الفشل الذي لا يلقى صانعوه من يعاقبهم عليه، وعلى ما اقترفوه من فظائع القتل والتخريب والتجويع .ما حدث للإسرائيليين تاريخيا في غزة سيحدث هذه المرة . هي حلقات سلسلة قدرية ربانية عادلة، والفرق بين ما حدث تاريخيا وما سيحدث هذه المرة أن كارثة هذه المرة على الإسرائيليين مخيفة جائحة لجذورهم، وخلاصتها انهيار كيانهم الظالم وانحلاله وزواله . والسيف والدرع دائما غزة .
*كاتب فلسطيني/ غزة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر