الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / الغزِّيون وحقائبُ الظَهر!

الغزِّيون وحقائبُ الظَهر!

د. طالب أبو شرار*
في الماضي وفي سائر حواضرنا العريقة في بلاد الشام وقبل غزو الصهاينة الهَمَج ومن نَهَجَ نهجَهم وتدميرهم معالم الحضارة الإنسانية الرائدة في تلك الحواضر، لم تكن هناك عرباتٌ تُدفع باليد أو بالقوة الميكانيكية، كان هناك الحمال الذي يعرض خدماته على الجمهور خاصةً في أسواق الخضار والبقالة. ولأن العديدين كانوا يتسوقون مرة أو اثنتين في الشهر فقد كانوا بحاجة الى من ينقل مشترياتهم الثقيلة الى المنزل فيلجؤون الى الحمال الذي يُثَبِتُ الى ظهره سلةً كبيرةً من القش، وليست حقيبةً من الجلد أو القماش، تُشدُ الى كتفيه بحبل خشن. يعمد رب أو ربة البيت الى إضافة ما يشتريه الى تلك السلة ثم ينصرف الاثنان، الحمَالُ وصاحبُه الى بيت المتسوق الذي قد يكون بعيدا والطريقُ اليه وعرٌ وصاعدٌ لكن الحمال لا يتأفف من ثِقلِ أو طُولِ أو صعوبةِ الطريق فيسير صامتا الى غايته. للإنصاف، فقد انتشرت ظاهرة الحمالين في كافة أسواق المدن الزاهرة في بلادنا وسائر بلاد المشرق الأدنى والأقصى. لكن وبمرور الوقت وظهور العربات التي تسير دفعا على عجلات ثم دخول العربات الميكانيكية الى عالم النقل بدأت ظاهرة الحمالين تختفي تدريجيا. في الواقع، لم تختف ِالظاهرةُ دون أن تترك خلفها إرثا دائما تجسد في حقائب الظهر التي غزت عالمنا المتحضر لتستبدلَ الكتفَ عوضا عن اليدين في مهمة حمل الأثقال اليومية كالكتب المدرسية والمقتنيات الشخصية جدا عند السفر بل وحتى أدوات العمل المهني أو المستلزمات الخاصة عند البعض. مثال ذلك ما صممه رستيم أوغور عامو (هو أمريكي من أصل روسي ولد في جورج تاون-واشنطن) من حقيبة ظهر توضع بداخلها أسطوانة مملوءة بالأكسجين المضغوط الذي يندفع الى كمامة مثبتة الى وجه متسلق الجبال فتمده بحاجته منه بعد ارتقائه الى مرتفعات شاهقة يقل عندها ضغط الهواء الجوي.
بناء على ما سبق، يبدو الأمر عاديا عندما تسير في شارعٍ وتشاهد شخصا أو أشخاصا يعتمرون حقائبَ الظهر. لن توقف أحدَهم لتسأله ما الذي يحمله على ظهره. لكن يبدو المشهد غريبا جدا ويدعو الى التساؤل عندما تشاهد أعدادا كبيرة من إخوتنا وأخواتنا الغزيين وهم يرتحلون من ملاذ غير آمن الى آخر ربما أقل أمنا، وإن مَنُوا نفوسَهم بالأمان المفقود في كامل قطاع غزة الجريح. قطاع غزة المُبتَلى بجحيمٍ يستحي دانتي من تجرؤه على إطلاق نفس الاسم على ملحمته الأدبية الشهيرة حيث يصف عذابات من أدخلوا الجحيم بسبب معاصيهم خلال اليومين الذين مكثهما هناك. يومان من العذاب يا دانتي فوصفت المشهد بالجحيم فما بالك باثنين وعشرين شهرا من عذابات أهل غزة! هنا من حقنا جميعا أن نتساءل: ما الذي يحمله الغزي في حقيبةِ ظهرِهِ طيلةَ حَلِهِ وترحاله؟ هل تراه يحمل ثروته التي جمعها أو انحدرت اليه من أبويه أو أحدهما؟ من غير المعقول أن تكون حقيبة الظهر تلك مملوءةً ذهبا ونقودا لأن هناك الآلافَ من الغزيين الذين يتشاطرون هذه الظاهرة ولأن الحصار والدمار طيلة تلك الشهور التي توقفت فيها الحياة كفيل باستنزاف كل المدخرات! ما الذي تضمه تلك الحقائب إذن؟ هي حتما ليست كتبا ثمينة لأننا شاهدنا إخوتنا هناك يحرقون نفائسَ مكتباتهم من أجل توفير نارِ طهوٍ أو خَبزٍ بعد أن عَزَ الوقود. وهي أيضا ليست محشوة بالتحف أو نفائس المنازل المدمرة لأن الدمار الذي لحق ببيوتهم لم يترك حجرا على حجر. محتويات تلك الحقائب هي حتما ليست من بين تشكيلة التسوق الطازجة والمحمولة على ظهر الحَمَال أو في صندوقِ عربةِ الشحن التي أشرنا اليها أعلاه. غالب الظن أنها تضم الوثائق الشخصية التي تُعَرِفُ بشخصيةِ حاملها وبمؤهلاتِه العلمية أو المهنية، هو وأهل بيته، وربما توجد بداخلها بعض النقود الشحيحة أو المقتنيات الثمينة التي لا ينطبق عليها وصف ما خف حمله وغلا ثمنه وانما ما شحَت وفرته وعزَ شراؤه مثل بعض المعلبات الغذائية وأرغفة الخبز اليتيمة. من أجل ذلك تلازم حقائبِ الظهر تلك ظهور أحبتنا في غزة ولا تفارقهم آناء الليل وأطراف النهار، في سيرهم نحو المجهول وفي سعيهم من أجل الماء والطعام الذي قد تومض فرصته دقائق معدودة ثم تتلاشى!

عندما يسقط الغزي شهيدا تسقط معه أحلامُه النبيلة ويسقط معها شقاءُ عمرِه في الاجتهاد الدؤوب كي يصنع معنىً لوجوده ولكي يوفر حياةً كريمة لنفسه ولأحبائه. ولأن كل ما سبق لا يجب أن يتحول هباء ًمغلفاً بعبارة “شهيد مجهول الهوية”، يحمل الغزي على ظهره تلك الحقيبة التي تستطيع أن تتكلم بعد أن يروم عليه صمت الموت. هي دراما سوداء لكنها حقيقيةٌ الى حد الجنون الذي يَعجِزُ الخيالُ عن محاكاتها في كل أنواع الدراما المتخَلِقَةِ في أذهان الأدباء والشعراء. هي تراجيديا تصنعها شظية قذيفة أو رصاصةُ جنديٍ صهيونيٍ مجرمٍ ونذلٍ ٍوجبانٍ يجد متعةً في “اصطياد” إنسان بريءٍ ومعذبٍ ذنبُه الوحيد يتجسد في وجوده على أرض آبائه وأجداده متناقضا بذلك مع الدخيل الصهيوني وأحلامه التوراتية المريضة!
*كاتب ومفكر فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …