د. ادريس هاني*
يبدو أن هياج انقلاب الصورة يتجاوز الأنماط الكلاسيكية للتّفاهة. العالم يتغير باتجاه أخطر أشكال الميتامورفوز. نصيب المثقف من ذلك كبير، ليس لأنه مثقف وكفى، بل لأنه اختفى من المشهد، وهي السانحة التي انتهت إلى تمكين السيمولاكر من الهيمنة على الأصل. هذا الوضع يبدو مدعاة للضجر، لكنه يؤثث لمشهدية يتآكل معها هيكل المعنى، في عالم يتجه نحو هيمنة الماهية على الوجود، الاعتباري على الأصيل، عالم من الجمود حتى أنّه غير آبه للمعنى الخصب للتحرر، حيث أصل التحرر يكمن في رفض الشكل الأدنى للتموجد والشكل الأغبى لمُعاقلة الوجود. وما تبقى هي أعراض تفصيلية لهزيمة العقل وتموضعنا الرديئ في الوجود. لماذا يتجه العالم نحو التصالح مع التّفاهة؟ ليس ثمة تفسير غير ضحالة الوجود، نتيجة تموجد غير قلق، غير عابئ بالحقيقة والمآل، عالم عالق كزائدة دودية في وجود كدر.
الاستنزاف في إحصاء مظاهر التّفاهة لا يُجدي نفعا. كل شيء آيل للانهيار في مهزلة السقوط البشري، لا المعرفة ستستوي على ساقها، ولا الحياة ستنهض على أصولها. لن تنفع أي مقاربة حين يديرها عقل غير مدعوم بالحس السليم. ليس العقل وحده يتوارى من مشهدنا الوزغي، بل قريبا ستتوارى آخر قيم الجمال بحثا عن الشّر المطلق.
قريبا سيهيمن علينا الذكاء الاصطناعي، سيعلن الثورة على غبائنا، وسوء إدارتنا للمعنى، لخوارزمياتنا التي فقدت ديناميتها، ستستقيل التقنية، وبينما كانت هي عنوان تحرير الإنسان من العبودية الكلاسيكية، ستصبح التقنية هي من سيستعبد كائنا فقد القدرة على المشي منتصبا.
حتى حروب اليوم صارت قذرة، وسيضطر العالم أن يتصالح مع الهمجية، حروب التجويع والإهانة، حين تجعل التقنية من الجبن فضيلة. إن كان فيما يحدث اليوم معنى لافتا، فهو تشكل كبير للحس السليم، لمعنى السقوط الحضاري. الهيمنة على الحداثة وقواها تهديد لمن يعيشون في كنف المركز نفسه، إنهم اليوم حائرون وقلقون، لأنّ كل المثل التي عاشوا عليها تدحرجت، فلم يعودوا بعد اليوم في حاجة إلى الكذبة النبيلة، هناك انبعاث شرس للمستذئبين، هناك انفجار غير مسبوق للهمجية جعل البشرية تدرك بأنّ خدعة كبيرة سميت يومها بالمجتمع الدولي والنظام العالمي. نحن في هذا الشرق الأوسط شاهدون وضحايا لهذا الوهم الكبير، وهم الإنسانية الجديدة ومعرّة عهد التحضر. كم نحتاج من قرن لكي نستعيد الثقة بإنسانية تعيش استحقاق انقلاب الماهية؟
خسرنا معارك، لكننا انتصرنا على وهم الصورة، هزمنا الكذبة النبيلة، كشفنا ولو بمازوخية عنيدة عن أنياب إمبريالية لا زالت وفيّة لعهد السيطرة والإبادة.
*كاتب مغربي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر