الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / ليتهم يجهلون!

ليتهم يجهلون!

د. طالب أبو شرار*
في مقابلة تلفزيونية مع قناة صهيونية قال بنيامين نتنياهو أنه “في مهمة تاريخية وروحية وأنه متعلق بشدة بحلمه في رؤية إسرائيل الكبرى”! لو صدرت مثل تلك العبارة عن أي زعيمٍ سياسيٍ في العالم لقامت الدنيا ولم تقعد.
كيف يفصح علانية رأس دولة عن نوايا توسعية عدوانية بحق دولٍ وليس دولةً واحدة؟ كيف يجرؤ ذلك المعتوه بالإفصاح عن عزمه ضم جزءٍ أو كلٍ من أراضي الأردن ولبنان وسوريا والعراق ومصر والسعودية بل وحتى الكويت واليمن؟ أين ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على عدم جواز الاستيلاء على أراض دولة أخرى بالقوة؟ هل يعقل أن يمر إعلان بمثل تلك الفجاجة والعدوانية ولا يثير حتى زوبعةً في فنجان؟
أي مهمة تاريخية وروحية هي تلك التي يحلم صاحبها المجنون بتحقيقها عن طريق العدوان الصريح على أراضي دولٍ ذات سيادة؟ ما هو مفهوم المهمة التاريخية والروحية تلك؟ ألم يقل مثل ذلك الكلام العديد من مجانين العالم الذي جلبوا الويلات على شعوبٍ لا ناقة لهم ولا جمل بأحلام أولئك العتاة المهوسين؟ ما الذي جنته شعوب عديدة في أوروبا من أحلام أدولف هتلر وما الذي جنته شعوب القارات الجديدة في الأمريكيتين وأستراليا بل وفي إفريقيا بدءا من القرن السادي عشر من أحلام زعماء دينيين وأذيالهم السياسيين الذين زعموا أنهم مؤتمنون روحيا على نشر المسيحية بين تلك الشعوب الوثنية الضالة؟
عندما استعصى اخضاع تلك الشعوب لمشيئة القساوسة، كاثوليك وبروتستانت على حد سواء، بطشت بهم جيوش الرب فأبادتهم أو استعبدتهم لخدمة السادة البيض أبناء الرب الأوفياء! أليس هذا ما نسمعه ونراه كل يوم بل كل ساعة من مجموعة المجانين الذين صعدوا الى سدة الحكم في فلسطين المحتلة بأصوات جمهورهم الأكثر جنونا منهم. ولأنهم يمثلون ناخبيهم، أصبح بالإمكان سماع هلوسات نتنياهو البولندي وبن غفير الكردي العراقي وسموترش الأكراني وبقية فتات الشعوب من جوقة المستعمرين الجدد في فلسطين من قبلُ ومن بعد! أي مهمة روحية هي تلك التي تسكن ذلك المعتوه دون سواه من “بني البشر”؟
صدقا لا أرى فارقا بين مقولات داعش “الإسلامية” ومقولات داعش اليهودية التي أظنها أكثر تطرفا من سابقتها! كلاهما مغرم بمقولات دينية ينظر من خلالها الى الآخر بعين حولاء وعبر خرم إبرة! لماذا إذن تمر مقولات ذلك النتنياهو الداعشي دون الجلبة التي تستحقها! كل المجرمين من المرضى النفسيين يتحدثون عن رسالة سماوية كلفهم بها الرب وأن ما قاموا به من تقتيل وتخريب ليس سوى انصياع لتلك المشيئة. هم يقتلون بالجملة تماما كما تفعل تلك الفئة الإجرامية من المستوطنين في فلسطين. لا أعرف لماذا تصمت البشرية على مثل تلك الأقوال المجنونة دون تصنيفٍ منصفٍ لها! لولا الحماية الأمريكية كان يجب، بل ويجب، أن يتم اقتياد ذلك المجرم وبقية صحبه الى قاعة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ليقضي بقية عمره القصير في سجن انفرادي.
لم يكتف ذلك السفاح بما تقترفه يداه وعقله الشيطاني من قتل وتدمير في غزة وبقية فلسطين وفي لبنان وسوريا بل وفي اليمن بل يريد أن يوسع دائرة إجرامه الى بلاد عربية جديدة هادنته من قبل وأَمَلت في سلامٍ زائفٍ معه. ردود أفعالنا على تلك المقولة جاءت لفظية على شكل استفسار من حكومة نتنياهو يثير الشفقة أو في صورة استنكار لفظي لتلك التصريحات.
لم تستدع دولةٌ مستهدفةٌ بأحلام نتنياهو سفير دولة الاحتلال لتوبخه هو وحكومته على الادلاء بمثل ذلك الكلام الفج أو لتقطع تلك العلاقات المرفوضة شعبيا مع حكومة الاحتلال. لم تتقدم دولةٌ مستهدفةٌ صراحةً بشكوى الى مجلس الأمن أو بطلبٍ الى الجمعية العمومية لإدانة أحلام نتنياهو ولتطلب طرد دولة الاحتلال من الأمم المتحدة. بعد كل الإجرام الصهيوني والذي ما يزال قائما، لا أعتقد أن أيا من هذين الطلبين قد أصبح عصيا بالمطلق على التحقيق رغم معرفتنا بأن مجلس الأمن لن يتخذ مثل ذلك القرار لاعتبارات تتعلق بمصالح الدول دائمة العضوية في المجلس. فوفق المادة (6) من ميثاق الأمم المتحدة فإنه “إذا أمعن عضو من أعضاء الأمم المتحدة في انتهاك مبادئ الميثاق، جاز للجمعية العامة أن تفصله من الهيئة بناءً على توصية مجلس الأمن”.
اليوم، هناك سِجِلُ حافل من الجرائم والانتهاكات الفظيعة لمبادئ الأمم المتحدة اقترفتها دولة الاحتلال الصهيوني على امتداد عمرها القصير. حتى لو لم تنجح محاولة الفصل هذه فإنها ستكون سابقة تمهد الطريق لما هو قادم من محاولات. لقد أنشئت دولة الصهاينة بقرار ظالم من الجمعية العمومية (قرار رقم 181 بتاريخ 29 تشرين ثاني 1947) لعب ابتزاز الولايات المتحدة دورا محوريا في بلورته واخراجه. تلك الدولة الهجين لم تحترم يوما الأمم المتحدة التي منحتها الشرعية الدولية كما لم تحترم حقوق وسيادة جيرانها من الدول العربية. ولأنها كذلك فإن الحالة الراهنة من العداء الصريح والمعلن يحتم على الدول العربية المعنية بتصريح نتنياهو الأخير أن توحد مواقفها وأن تنزع عن نفسها رداء العقلانية والتقيد المقيت بمبادئ الأمم المتحدة ولو الى حين. في تقاليدنا العشائرية، يتصدر شيخ العشيرة مجلسَ ديوانه ويحف به ميمنةً وميسرة وجهاءُ قومه وحكماؤهم.
الى جوار المدخل، تجلس حفنة من الرجال الصامتين الذين تنحصر مهامهم في أمرين، خدمة الضيوف بتقديم القهوة العربية وإبقاء نيران مواقدها مشتعلة وأمر آخر لا يتكرر كثيرا: عندما يحضر قوم متخاصمون الى مجلس الشيخ ولا يصغون الى صوت الحكمة، تتحرك تلك الحفنة لتنهر الحمقى وتطردهم من المجلس إن استدعى الأمر. قديما قيل لا يفهم لغة المجانين سوى مجنون مثلهم. وكما الأمس، نحن اليوم أمام مجانين أكثر جنونا من أساتذتهم السابقين مما يجعل منهم خطيرين جدا على مستقبلنا جميعا. من أجل ذلك، توجب المرحلة الراهنة تعاضدنا، عربا ومسلمين، ونبذ الخلافات الهامشية فيما بيننا والوقوف وقفة رجل واحد في وجه أولئك الموتورين. هنا أستذكر مقولة عمرو ابن كلثوم:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا فنجهلُ فوق جهلِ الجاهلينا
*كاتب ومفكر أردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …