د. هاني الروسان*
علينا الاعتراف بان البيان الختامي الذي صدر عن القمة العربية الإسلامية التضامنية مع دولة قطر عقب تعرضها لهجوم جوي استهدف اجتماعا لقيادات حركة حماس، قد جاء مطوّلاً ومفصلاً، وحاول أن يغطي معظم ألابعاد المترتبة على العدوان الإسرائيلي، من الجوانب القانونية والسياسية إلى البعد الإنساني والدبلوماسي. ولكن رغم قوة العبارات المستخدمة فيه وتنوّع القرارات التي اتخذها، فإن قراءة متأنية له تكشف عن دقة قام عليها في الموازنة بين ما هو رمزي وما هو عملي، وبين قوة الخطاب وضعف الآليات.
فقد اعتمد البيان لغة إدانة حازمة، حيث وصف الهجوم بـ”العدوان الغاشم” و”الهجوم الجبان”، وربطه بسجل إسرائيل “الإجرامي” و”جرائم الإبادة والتطهير العرقي”، وهذه اللغة تُظهر هذه المرة تحوّلاً في لهجة الخطاب الرسمي العربي والإسلامي التي طالما اتسمت بالتحفظ، لكنها تبقى محدودة الفاعلية إذ لم ترفق بأليات تترجمها إلى خطوات عملية. فالدعوة إلى مراجعة العلاقات أو فرض العقوبات تبدو أقرب إلى الشعار منها إلى القرار التنفيذي، إذ بقي تنفيذها رهين إرادة الدول فرادى، وهو ما سبق أن أُعلن عن مثلها في قمم سابقة من دون أثر ملموس الى يومنا هذا، طبعا هذا فضلا عن ان ميثاق جامعة الدول العربية برمته يقوم على هذه المقاربة البائسة، التي لم تخلف لدى المواطن العربي الا شعورا بالإحباط تلو الاحباط.
فالبيان يحمل بلا شك قيمة رمزية في إبراز وحدة الموقف العربي والإسلامي، خصوصًا مع موافقة سبع وخمسين دولة عليه، لكنه لا يعكس بالضرورة وحدة سياسية فعلية. فالتجربة التاريخية بيّنت أن البيانات الجامعة غالبًا ما تبقى حبراً على ورق بسبب تضارب المصالح بين الدول الأعضاء، وانقسامها في ملفات إقليمية كبرى مثل الموقف من إيران أو من مسارات التطبيع. لذلك يظل خطر تحوّل البيان إلى مجرد حلقة جديدة في مسلسل “سياسة الإدانة الموسمية” قائمًا، حيث ترتفع الأصوات الغاضبة مع كل اعتداء ثم تخفت مع مرور الوقت.
ومن الملاحظ أيضًا أن البيان ربط بشكل وثيق بين العدوان على قطر والقضية الفلسطينية، معتبراً أن استهداف دولة وسيطة في الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب هو في الوقت ذاته تخريب لفرص السلام الإقليمي. هذا الربط يعيد منح القضية الفلسطينية بعداً إضافياً عبر إدخالها في صميم الأمن الإقليمي، ليس فقط العربي بل والاسلامي ايضا، ولكنه قد يُقرأ أيضًا باعتباره محاولة لإبراز الدور القطري أكثر من محاولة إبراز جوهر القضية الفلسطينية. وبذلك يصبح الدفع بفلسطين الى الواجهة أداة لتثبيت موقع الدوحة السياسي، وهو أمر لا يخلو من توظيف سياسي للملف الفلسطيني في لعبة التوازنات الإقليمية.
كما أن البيان تضمن إشارات متقدمة إلى القانون الدولي، مثل الدعوة إلى مساءلة إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية والتذكير بقرارات محكمة العدل الدولية. والحقيقة ان التذكير بهذه اللغة القانونية امر مهم للغاية من حيث المبدأ، غير أن الفجوة بين الطموح والواقع تظل قائمة. فالقمة لم تحدد آليات واضحة لكيفية تحريك الدعاوى القضائية أو ما إذا كانت الدول العربية والإسلامية مستعدة لتحمل تبعات مواجهة حقيقية، كتعليق العلاقات العسكرية أو الاقتصادية مع القوى الداعمة لإسرائيل. وهنا يظهر العجز البنيوي للنظام العربي والإسلامي عن الانتقال من النصوص إلى الأفعال.
ويضاف إلى ذلك أن البيان استند إلى مرجعيات مألوفة مثل مبادرة السلام العربية وإعلان نيويورك حول حل الدولتين. هذا التكرار يعكس غياب تجديد حقيقي في المقاربة، في وقت تغيّرت فيه موازين القوى الإقليمية والدولية، ولم تعد إسرائيل ولا حلفاؤها يأخذون هذه المرجعيات على محمل الجد. فإعادة تدوير نفس القرارات دون طرح بدائل عملية يجعل النص أقرب إلى خطاب تقليدي مكرر، يفتقر إلى الجرأة في تصور خيارات بديلة.
أما من حيث الرسائل، فقد حمل البيان أكثر من من رسالة، داخلية لتعزيز التضامن مع قطر وتأكيد أن المساس بدولة هو مساس بالجميع، ورسالة موجهة إلى إسرائيل تتمثل في إدانة جماعية صريحة وتحميلها مسؤولية التصعيد، ورسالة ثالثة إلى المجتمع الدولي تدعوه إلى تفعيل قرارات الأمم المتحدة وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب. غير أن هذه الرسائل، مهما بلغت قوتها الخطابية، تبقى في أغلبها دفاعية أكثر من كونها هجومية، أي أنها جاءت كرد فعل على العدوان أكثر من كونها رسمت استراتيجية استباقية لمواجهة إسرائيل في المستقبل.
في النهاية يمكن القول إن بيان الدوحة يعكس لحظة إجماع رمزي نادرة، ويكشف عن قلق عربي وإسلامي من توسع دائرة العدوان الإسرائيلي خارج الأراضي الفلسطينية. لكنه يظل نصاً مألوفاً في بنيته، شديد اللهجة في خطابه، ضعيفاً في آلياته. والتحدي الحقيقي أمام الدول الموقعة ليس ما جاء فيه من عبارات تضامن أو إدانة، بل في مدى قدرتها على ترجمة هذه اللغة إلى سياسات عملية، سواء عبر فرض عقوبات فعلية، أو من خلال الضغط الجماعي في الأمم المتحدة، أو حتى عبر إعادة صياغة العلاقات مع القوى الكبرى الداعمة لإسرائيل. فدون ذلك ستبقى إسرائيل قادرة على استثمار عجز النظامين العربي والإسلامي عن تجاوز البيانات الختامية نحو فعل سياسي ملموس، بل وربما وهذا الاهم ان لا يكون مثل هذا البيان قد بعث برسالة لنتناهو انه لن يكون في مواجهتكم اكثر من مثل هذه الاعراس الاحتفالية.
*كاتب وأكاديمي تونسي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر