د. لينا الطبال*
كل صباح تنفجر الشمس فوق الشرق الأوسط، صواريخ ونار ووعود دولية… في كل صباح تبدأ ساعات العدّ التنازلي للضحايا الجدد.
هذا المقال لا يحتمل الصمت الطويل، اللعنة على الصمت! أن تصمت يعني أنك جزء من الجريمة.ثم، فجأة، تدرك أن اللون الأحمر في السماء ليس غروب شمس رومنسي… هو دمٌ يختلط بنار القصف. اللون الذي كان رمز للحب صار لون الموت، هو لون الدم يختلط بنار القصف، هذا بالضبط ما ترونه في سماء غزة… غزة تحترق، أطفالها يلتفون ببطانيات رطبة بالدم، الأمهات يترنحن بين الصراخ والدعاء، والآباء يلطمون وجوههم ويحاولون إيقاظ أبنائهم الموتى. هذا ليس يوم القيامة، هذا هو يوم عادي آخر في غزة.
لأول مرة منذ سبعين عام من المجازر اكتشفت الأمم المتحدة فجأة أن إسرائيل ترتكب في غزة ما يسمى في قاموس البشر “إبادة جماعية”. في تقريرها أعلنت لجنة التحقيق الأممية أن الجيش الإسرائيلي ارتكب أربعة من أصل خمسة أركان من الإبادة الجماعية المنصوص عليها في اتفاقية 1948:
قتل أفراد من الجماعة،
إلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بهم،
فرض ظروف معيشية مقصودة تؤدي إلى تدمير الجماعة كليا أو جزئيًا،
وخلق أوضاع تستهدف منع الولادات داخلها.
وحده البند الخامس، المتعلق بخطف الأطفال، لم ينله شرف التوقيع الإسرائيلي بعد، ربما لضيق الوقت، أو لأنهم ببساطة يفضّلون قتل الأطفال وهم في أحضان أمهاتهم.
التقرير أشار ببرودة إلى أن هذه الجرائم نُفذت عن سبق إصرار، ممهورة بتصريحات
نتنياهو
وغالانت
وهرتسوغ.
اقرأوه معي إن أردتم. لن يغيّر أي شيء.
البند الأول: قتل الجماعة المستهدفة
التقرير ينص على ستين ألف شهيد حتى الآن، والعدد في تزايد، نصفهم نساء وأطفال. البقية مدنيون. خطؤهم الوحيد أنهم كانوا أحياء…. هذا كل ما في الأمر.
مجلة “لانسيت”، التي تكتب عادة عن امراض السرطان والكبد، وجدت نفسها في خضم الإبادة توثق انهيار العمر في غزة: من 75.5 إلى 40.5 سنة. إسرائيل لا تكتفي بقتل الناس، هي تسطو على حياة من لم يولدوا بعد.
المستشفيات، “المرافق المحمية” في القانون الدولي، أصبحت أهداف عسكرية… اعرف انك تعرف!
سجل التقرير 498 هجوم موثق… طرق القتل كثيرة: منازل، ملاجئ، مناطق آمنة، وحصار يمنع الماء والخبز والدواء. الجوع نفسه تقوم إسرائيل بتصميمه بعناية كأي قنبلة ذكية.
البند الثاني: إلحاق أذى جسيم
الموت لم يكن كافي ولا بد من الذل، من التهجير تحت القصف، من الهروب من البيوت إلى لا شيء، ومن هناك إلى القبور. يجب أن يُضاف التعذيب في المعتقلات ليكتمل المشهد. اللجنة الأممية وثقت كل شيء ببرود أكاديمي، وهي واقفة في وسط مسلخ يفيض بكل ألوان الدم وأشكاله. ثم تضيف الجملة التي تكررها في كل تقرير لها: “قد يُستخدم هذا أمام المحكمة الجنائية الدولية”.
البند الثالث: فرض ظروف معيشية للإبادة
احتاجت الأمم المتحدة عامين لتقول إن إسرائيل استخدمت التجويع كسلاح. عامان من الجوع، والعطش، والقصف، قبل أن يكتبوا الجملة في التقرير. الخبز، الماء، المدارس، المستشفيات… كله اصبح ركام وتبخر… واللجنة تسميه “جرائم ضد الإنسانية”. شكرا على هذا الاكتشاف!
البند الرابع: منع الولادات
المستقبل نفسه وُضع على لائحة الأهداف في غزة، حتى الفكرة الأولى للحياة جرى إبادتها… تقرير اللجنة يوثق قصف أكبر عيادة خصوبة في القطاع، وإحراق أربعة آلاف جنين، وألف عينة من الحيوانات المنوية والبويضات… إسرائيل قررت أن تبيد الفكرة نفسها قبل أن تتحول إلى حياة. لا أطفال، لا أمل، لا أجيال جديدة… كلها احترقت. تخيل ! ! أسهل على إسرائيل من انتظارهم ليولدوا.
“ناوي فيلاي”، رئيسة اللجنة، طالبت بحظر تسليح إسرائيل، بمحاكمة المجرمين ووقف هذه الإبادة. صرخت: الصمت شريك في الجريمة… في مارس الماضي، نصت اللجنة: “قد ترقى أعمال إسرائيل إلى الإبادة”. اليوم، سقطت كلمة “قد”… ببساطة. لم يتغيّر شيء سوى عدد جثث الشهداء.
أما بيان الخارجية الإسرائيلية، فهو نسخة من بيان العام الماضي، والعام الذي قبله، والعام الذي قبله أيضا: “مزاعم كاذبة، تقرير مزيف، أكاذيب…” نفس المزاعم منذ نصف قرن، يتوارثها الناطقون الرسميون في تل أبيب… إسرائيل بريئة، محاصرة بالمدنيين، مطوقة بالأطفال ذوي الأحذية الممزقة، جيش يواجه، في روايته، تهديد وجودي من أمهات يبحثن عن أشلاء أطفالهن تحت الركام.
نصف قرن من نفس الكلام، وجيش مدجج بالسلاح حتى الاسنان يقتل الأطفال ويدّعي أنه الضحية… في النهاية لا عدالة. لا خجل. الدم يملأ المكان… فقط دم، دم كثير يُغرق الأرض، وفوقه تطفو كلمات تضامن باهتة.
*كاتبة وأكاديمية وباحثة سورية – باريس
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر