بقلم/ عادل حويس
في ليل يمني مثقل بالقيود وبين جدران العزلة والتجهيل والاستعباد انبثق فجر جديد من قلب العاصمة صنعاء يخط في دفاتر التاريخ أن الشعب قد قال كلمته وقرر أن يعيش حرا كريماً أو يموت واقفا.
فكانت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م.. ليست مجرد لحظة تمرد ولا انفعالاً سياسياً بل ميلاد وطن وإحياء شعب وانبعاث ضمير.
يقول اليمني اليوم وهو يرفع علم الجمهورية فوق منزله الطيني في ريف صعدة أو على زجاج سيارته في عدن:
“نحن أبناء سبتمبر.. نحن أبناء النور الذي بدد ظلمات الكهنوت.”
لقد كانت ثورة سبتمبر أكثر من مجرد إسقاط نظام الإمامة البائد كانت مشروعا تحرريا إنسانيا شاملا حرر الإنسان اليمني من ربقة الجهل والفقر والمرض والطبقية المهينة ومنح له حق التعلم والعمل والحلم بعد قرون من الصمت والوصاية والخوف.
كانت الثورة وعدًا.. وقد أوفت رغم العثرات.
تفتحت أبواب المدارس وامتلأت الفصول بأبناء الفلاحين والرعاة والحرفيين لم يسأل أحد عن نسبه أو لونه أو مذهبه بل عن درجته وطموحه.
ملايين الشباب دخلوا الجامعات شيدوا المصانع زرعوا الحقول وصنعوا وطنًا يليق بالكرامة.
صار ابن “المزين” طبيبا.. وابن “المقهوي” مهندسا ..وصار اليمني يتنقل من صنعاء إلى عدن إلى حضرموت بسيارته دون حاجز ولا تفتيش يدندن بأغان وطنية عن سبتمبر وأكتوبر وينام وهو آمن في سربه دافئ في بيته مطمئن على مستقبله.
كان سعر دبة الغاز 700 ريال وكان البائع يصعد بها إلى الدور الثالث وهو يبتسم وكان راتب الموظف يكفي والكهرباء لا تنقطع والمياه تصل دون منة والدواء في متناول الجميع.
لم يكن المواطن يلهث وراء الرغيف بل يسعى لتحقيق الحلم.
احتفل اليمنيون بـ26 سبتمبر لأنه أعطاهم ما لم تكن تمنحهم إياه قرون الإمامة: الهوية والمواطنة والصوت والحق في أن يعيش كإنسان لا تابع ولا عبد.
وفي وجه كل التشويهات والافتراءات والتشكيك بقيت أهداف الثورة الستة مشاعل مضيئة، يهتدي بها اليمني في ليالي التيه ويستند إليها حين يخذله الحاضر وتكبو به النخب ويتجرع خيبات الساسة.
لكن.. لم يترك الحقد الطائفي والمكر السياسي ثورة سبتمبر في حالها.
فحوصرت وقمعت وشوهت وكبلت بألف قيد واستبيحت من أعداء الداخل وأدوات الخارج.
ورغم ذلك لم تخمد. بقيت في قلب الشعب.. وفي وجدانه وفي ذاكرته النقية.
الفرق بين عهد الإمامة وثورة الجمهورية ليس فراغا سياسيا فحسب بل هو الفرق بين الظلمة والنور بين القهر والعدالة بين المظلومية والتكافؤ.
ومن لا يرى هذا الفرق فليقرأ التاريخ بعيون الضحايا لا بعيون المستفيدين من الدماء.
يا أبناء اليمن لقد قدمت ثورة 26 سبتمبر نموذجا لما يمكن أن يكون عليه اليمن إذا توافرت الإرادة واتحدت القلوب.. وانتصرت القيم.
هي ليست ذكرى نحييها بالأناشيد بل وصية لا تموت.. ورسالة تتجدد.. ومسؤولية لا تنتهي.
أيها القابضون على الجمر يا من لازلتم تؤمنون أن “الجمهورية” ليست شعارًا بل أسلوب حياة تذكروا أن الشعوب لا تموت وأن الأوطان التي تنبض بالثوار لا تركع.
ولمن يسأل اليوم: لماذا لا تزال جذوة سبتمبر مشتعلة رغم الحروب والانقسامات والخذلان؟
الجواب: لأن اليمني البسيط رأى فيها ذاته.. رأى فيها الكرامة والخبز والدواء والمدرسة.
رأى فيها وطنًا يسير للأمام.. لا يعود إلى كهوف التاريخ.
فلنحيي سبتمبر لا كمناسبة بل كثورة ما زالت تنبض ما زالت تطالب ما زالت تلهم.
وليعلم من لا يزال يعبث بمصير هذا الشعب أن اليمنيين قد يسكتون قد يصبرون قد يتألمون..
لكنهم في اللحظة الفاصلة سيعودون إلى ميدان التحرير ليكتبوا من جديد على جدران العاصمة:
“هنا صرخ اليمني: لا إمامة بعد اليوم.. لا عبودية بعد اليوم.. لا ظلام بعد اليوم.”
المجد لثورة 26 سبتمبر
الرحمة للشهداء
والوفاء للوطن الذي لن يموت
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر