الجمعة , يناير 30 2026
الرئيسية / اراء / في مديح الظل العالي !

في مديح الظل العالي !

خالد شحام*
لقد اكتمل القمران يا غزة ، وأشرق وجهُك العربي فوق سماء الجزيرة والفلاة الكبيرة ، مضى عامان منذ أرسل يحيى رسائله من قلب غزة إلى كسرى العرب وهرقل الجزيرة يدعوهم إلى الهدى ويُسمِع صوتَ المعذبين للمحتفلين قرب رفات الأنبياء ، مضى تشرين اول وتشرينٌ ثانٍ وأنت منارةُ البحر الأخيرة لمن أراد النجـــاة في سهول الظلمات ، لقد خفنا عليك أن تتلاشي في السواد الاسرائيلي أو تسرقك قبائل المعصية المقيمة فوق الرمال ، لقد خفنا عليك منـا جميعا ، وخفنا منك أن تتركينا بلا رجعة أو تذهبي بنا دون السبعة ، لكنك عسقلان المذكورة في النص المقدس الذي لا يخيب ولا ينسى ، وأنت درة التاج وحيث تشتهي أن تموت النسور وتأوي الملائكة ليلا كي تسبح أكثر .
لم يكن طوفان الأقصى عمليةً عسكرية خططتها قوى المقاومة في غزة بعد رحلة اليأس الطويلة من الحصار والقطيعة وانغلاق الآفاق السياسية ، بل كان إعلانا للحيـــاة في الجسد العربي المحتضر ، إشهارا من نبضات القلب بأنه لا يزال يخفق ولم تنتزعوا منه الروح ، لم يكن طوفان الأقصى اقتحاما للمستوطنات المجرمة ولا أسرا لبعض المجرمين ولا اختراقا ذكيا للتحصينات والاستخبارات الاسرائيلية ، بل كان برهانا لصحوة الجينات السحرية الموعودة في الحلم الكبير، طوفان الأقصى يا سادتي ليس مقالةً أو ذكرى نحاسية مثل كل مناسباتنا ، لقد أصبح التاريخ الميلادي المرجعي للمصير ، إن مراجعة طوفان الأقصى ومتعلقاته تحتاج كتابة عدة كتب لتغطي الامتدادات التاريخية والسياسية والاقتصادية والمستقبلية لهذا الحدث الذي زلزل التاريخ الماضي والقادم والمعاصر ، ونحتاج كتبا أخرى لنكتشف الرابط الذي يجمع بين الطوفان وغزة وطاقم الأسماء الأولى ذات الوجوه المضيئة التي رحلت عنا بسرعة .
عندما وقعت عملية طوفان الأقصى صباح السبت الخالد وعقب شحذ جيش المجرمين لأسنانه وأسلحته وجنده وشياطينه استعدادا للعدوان ، قفز إلى العالمين السؤال المصيري : كم يمكن أن يصمد هؤلاء المقاتلين البسطاء أمام أعتى ترسانة من الأسلحة المتطورة العاملة بوحش الذكاء الصناعي ؟ كم يوما أو شهرا يمكن أن يصمد هؤلاء المحاصرين منذ سنين أمام أقوى حلف إرهابي تشكل خلال بضعة أيام ؟ كانت حسابات العساكر والمحللين ترجح أن مدة الصمود قبل السقوط أو الاستسلام لا تتعدى 4-6 شهور حسوما ، ومع صور القصف الهائل والدمار المروع للبنايات التي كانت تسقط بلكمة واحدة ، سقطت قلوبنا وانهارت كل فرضيات الصمود وتقلصت التوقعات الى شهرين أو ثلاثة على الأكثر ، لكن غزة كانت أكبر من ضعفنا و أكبر منا جميعا ، صمدت غزة أمام شلال النيران وقصف مسعور ، و انقسمت معحزة طوفان الأقصى الى شطرين لا يتجزآن ، العملية البطولية والاختراق البطولي ، والشطر الثاني هو معجزة الصمود طيلة سنتين دون استسلام وسط جرائم لم يأت التاريخ على مثلها .لقد كان طوفان الأقصى النواة الأولى الضرورية لهز الجذور وتحريك مستنقعات المنطقة الراضية بالاستسلام والضعف والهوان ، إذا كان من أحد يشكك في قيمة وكفاءة وعظمة هذا الحدث فعليه أن يعيد تقييم سلسلة طويلة من الحقائق والفرضيات والمفاهيم التي تغيرت وتبدلت معانيها :
التغيرات الجيوسياسية التي حدثت في المنطقة من حيث سعتها وتأثير الدومينو فيها – التغيرات التي طرأت على القوى الاقليمية وسلوكها قراراتها – التغيرات التي طرأت على المد الصهيوني العالمي – عالمية القضية الفلسطينية ، اهتزاز عرش الصهيونية وروايتها الكاذبة .
في داخل هاتين السنتين شاهدنا أفظع الجرائم التي تشخص العقيدة الداخلية التي يحملها اليهود الصهاينة من شتى جنسياتهم وألسنتهم ، شاهدنا حقيقة العقيدة الصهيونية السرية من القتل الإجرامي والتجويع والتشريد والتدمير التخريبي ، وقصف المشافي وحرق الناس في خيام النزوح وتعمد ايذاء الحياة بكل صورها ، شاهدنا قتل الصحافيين والمراسلين والأطباء وطواقم الإسعاف ورجال الدفاع المدني والباحثين عن الطعام والمساعدات ، شاهدنا تزمتا وعنادا وإصراراعلى القتل وإفشال أية محاولات لإنقاذ الأبرياء وإحكام الإغلاق عليهم ، شاهدنا الكذب السياسي والزيف والتزلف و خيانة الضمير على الشاشات مباشرة ، شاهدنا اكاذيب بحجم ناطحات السحاب وخدعا بطول الانفاق ، شاهدنا اليهود العرب الذين لم نكن نعرف بوجودهم بيننا وهم يمارسون حقوق مواطنتهم الاسرائيلية بحماية الكيان والدفاع عنه ولجم التحركات والمعركة ضده ، والمساهمة في حصار غزة ، شاهدنا عربا أشد صهيونية من نتانياهو وحكاما يمثلون خط الدفاع الأول عن الكيان بأشد مما يدافعون عن بلادهم .
ad
مقابل ذلك وهو الأكثر أهمية وأكثر قوة شاهدنا معجزة الايمان في غزة ، المعجزة الأهم التي ستفتح أبواب العالم وتحرر العرب ، شاهدنا حقيقة الروح الإنسانية التي نشأت على التربية القرآنية وكيف تجلت فيها العظمة والفضيلة والصبر والخلق الرفيع والاحتمال الذي لا يمكن تصوره ، شاهدنا في غزة كيف أن الحديد الاسرائيلي مجرد خدعة وكذبة كبيرة مغلفة بالزيف وقابلة للاحتراق دون أكسجين ، شاهدنا جنود المخربين المدججين بكل أسلحة العالم من أمريكا والمانيا وفرنسا وبريطانيا وهم يتساقطون مثل الذباب رعبا وخشية من مقاتلي القسام ، شاهدنا صمودا من اهل غزة لا يمكن ذكره إلا في الأساطير وحكايا ما قبل النوم ، شاهدنا قصة الديموقراطية الغربية ونصوص حقوق الإنسان وهيئات الأمم والمؤسسات الدولية كيف أصبحت تماثيل صماء أمام الجريمة بل وداعمة لها في الخفاء ، شاهدنا القوى العظمى تتزيف وتتنكر وتتجاهل وسقطت عظمتها الأخلاقية وحلت محلها القيمة النفعية الرأسمالية التي يغرق فيه عالم اليوم المعدني ، شاهدنا كيف أحيت غزة الروح في البشرية وكيف هبت شعوب العالم الغربي في مظاهرات صاخبة غاضبة لايقاف المجزرة بينما تكفل حراس اسرائيل بمنعها وحبس من يتبرع واعتقال من يناصر ، شاهدنا اسطورة الاساطيل الكاسرة للحصار وهباتٍ من كل جنسية لمناصرة غزة .
في داخل غزة أصبح كل اسمٍ لحيٍ أو مدينةٍ شيئا مقدسا واسما خالدا جَبَّ ما قبله من مدن البطولة ، لم تعد مدن غزة مجرد أسماء ، بل أصبحت نجوما في سما ء العالم محفوظة مثل أناشيدٍ للحرية أو العظمة ، أسماء لها طعم ونكهة مثل الفلفل اللاذع : جباليا – تل الهوى – بيت حانون – خان يونس – النصيرات – الشجاعية – رفح – … وفي كل مدينة حكايا للبطولة والصمود والشهادة وعظمة القيادة ، من داخل هذه المدن شاهدنا أعظم العمليات البطولية ورأينا كيف ترد النارعلى النار فتهلكها ، شاهدنا معجزة ربانية لمن فقد الإيمان بمعجزات الله وكيف أن قذيفةً صغيرة تُهلك دبابة طولها اربعة عشر مترا ، شاهدنا رجالا حفاة مجوعين مطاردين يركضون خلف الجنود وخلف المدرعات ليحرقوها كما هي بكل بسالة واستئساد ، شاهدنا قادة عظماء استشهدوا في قلب النار مشاركين مقبلين على الشهادة كما يقبل العطشان على الماء ، هذه هي غزة التي أنتجت رجال طوفان الأقصى الخالد .
إن مناقشة ذكرى السابع من اكتوبر ليست حفلة عيد ميلاد وإضاءة شمعة على ركام غزة ومائة الف شهيد ، إنها ملحمة فلسطين الكبرى التي ساقها شرفاء غزة وخططوا لها لصناعة التاريخ العظيم لشعوب العرب والمسلمين ، إن الحديث عن طوفان الأقصى وتبعاته يحتاج كما ذكرت الكثير من التفاصيل والإفاضة ، ومن زاوية الاقتصاد سأترك بين أيديكم قسطا من أسئلة المقالة ليكون للقارىء نصيبٌ من الفكرة والمساهمة في التوعية والرؤية من جوانب مختلفة :
1-لماذا سارعت الصهيونية العالمية لبناء تحالف العدوان على غزة ولماذا طالت المعركة إلى هذا الحد الذي لا يصدق ؟
2- ما هي المؤشرات الكبرى لانتصار غزة وهزيمة الحلف الاسرائيلي – الأمريكي – العربي ؟
3- هل ستنتهي المقاومة بعد صفقة ترامب السحرية وتسلم حماس سلاحها وتنتهي الحكاية ؟
المعركة في غزة لم تنته بعد لأن النهايات ليست ضمن المقاس الاسرائيلي ولا الأمريكي ولا العربي المتصهين ، لذلك هنالك حرب جديدة تدور رحاها على ما يعرف بطاولات المفاوضات والتي هي في الحقيقة جولة جديدة من محاولات تركيع غزة والمقاومة والإطاحة بالعالم الجديد الذي بنته غزة مقابل الدمار الهائل الذي حاق بها ، إن التهدأة التي ستجري لساحة غزة ليست سوى التحضير للساحة الجديدة في لبنان وأيران ومن ثم سوريا واليمن .
لقد تعدت غزة كونها جغرافيا أو شريطا ساحليا أو مجموعة مدنٍ صغيرة محاصرة بالعقاب العبري الأزلي ، إنهــا الأرض المباركة التي أعيد فيها بعث العرب للحياة ، والأرض التي ستوقط البشرية من غفلتها الطويلة ، لقد قفزت غزة فلسطين من سجن الاستعمار وسطع نجمٌ جديد من ثريا الوعي والرؤية الناصعة لحقائق هذا العالم المرعب الذي تمسكه الصهيونية من عنقه وتخنقه بالمال والفضائح والاغتيال والرعب السري ، لكن سنن الكون تأبى إلا أن يرسل الله في كل حقبة من يجدد دينه ويعيد للبشرية مكانتها وكرامتها ويحيي الفطرة الأولى التي أودعها فيها ، هذه هي نقطة من طوفان الأقصى العظيم ، وهذه هي غزة العظيمة ، الأرض التي ستغير مجرى التاريخ .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …