الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / قراءة تاريخية واستراتيجية في مواقف حماس!

قراءة تاريخية واستراتيجية في مواقف حماس!

د. شذى صخر*
تأسست حركة حماس عام 1987 خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كفرع لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين، وكمشروع مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ تأسيسها جمعت الحركة بين البعد الديني والوطني، وجذبت قاعدة جماهيرية واسعة نتيجة خطابها المقاوم، في وقت كانت منظمة التحرير الفلسطينية تتجه نحو التسوية السياسية.
في التسعينيات، اتخذت حماس من الأردن مقرا لمكتبها السياسي، لكنها واجهت توترات متصاعدة مع الحكومة الأردنية بعد توقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994، بلغت الأزمة ذروتها عام 1997 حين حاول الموساد اغتيال مشعل في العاصمة الأردنية، فتدخل الملك حسين بن طلال وأجبر إسرائيل على تسليم الترياق وإنقاذ خالد مشعل، كما أفرجت إسرائيل عن الشيخ أحمد ياسين مقابل الإفراج عن عملائها.
شكل الإفراج عن ياسين نقطة تحول فكرية واستراتيجية للحركة، إذ سمح بإعادة صياغة خطابها بحيث يجمع بين المقاومة المسلحة والعمل الاجتماعي والدور الديني في خطاب الحركة، ضمن سقف يحافظ على التمسك بالأهداف الأساسية، خصوصا مقاومة الاحتلال، مع تعزيز القاعدة الشعبية والشبكات الخدمية في غزة والضفة، وساعد على توحيد الصف الداخلي للحركة وتقديمه كرمز للثبات على المبادئ، ما منح الحركة شرعية سياسية وشعبية وإقليمية واسعة، هذا التحول لم يكن انقلابا أيديولوجيا، بل موازنة دقيقة بين المبادئ والواقع، سمحت للحركة لاحقا بالمشاركة السياسية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، حيث فازت حماس بأغلبية ساحقة، وهو ما نقلها من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، وأدخلها في مرحلة جديدة من العلاقة المعقدة مع القوى الإقليمية والدولية.بعد إغلاق مكاتب الحركة في الأردن عام 1999، انتقلت القيادة إلى دمشق، وتمكنت من الحصول على الدعم العسكري والتدريبي من إيران وإدارة نشاطها السياسي والإعلامي في الخارج بدعم متواصل من محور ايران- سوريا، ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011 وتصاعد الخلاف بين حماس والنظام السوري بسبب الموقف من الثورة السورية، غادرت القيادة دمشق واتجهت إلى الدوحة، حيث أصبحت قطر المركز الرئيسي للقيادة، مقدمة الدعم السياسي والإعلامي والاقتصادي، مع استمرار علاقات محدودة مع إيران، مما يعكس قدرة الحركة على إدارة شبكة معقدة من التحالفات الإقليمية بين محور إيران – سوريا وقطر- تركيا، وتحقيق المرونة في التعامل مع القوى الإقليمية والدولية دون التنازل عن المبادئ الأساسية.
التحولات التكتيكية في مواجهة الضغوط الإقليمية بعد طوفان الأقصى
ad
سبيل الحفاظ على نفوذها في غزة وضمان بقاء دورها السياسي، تواجه حماس تحديات متشابكة داخليا وإقليميا، في على المستوى الإقليمي، تعرض محور المقاومة لهزات متكررة بسبب الضربات الإسرائيلية على إيران، حزب الله، والحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى محاولات الولايات المتحدة إخضاع إيران عبر العقوبات والضغط العسكري والدبلوماسي؛ هذا الوضع أدى إلى تراجع قدرة طهران على دعم الحركة كما في السابق، ما أجبر حماس على الاعتماد أكثر على قطر كوسيط سياسي ومالي.
على الصعيد الداخلي، يعاني قطاع غزة من ضغط عسكري مباشر من إسرائيل، أدى إلى استشهاد عدد كبير من قياداتها العسكرية والميدانية، ما أثر على قدرة الحركة التنظيمية وتماسكها الأمني. إضافة لذلك، ظهرت مجموعات متمردة مثل أبو شباب، التي شكلت فوضى أمنية وضغط اجتماعي، مما زاد من التعقيدات والضغوطات.
هذه التحديات دفعت حماس إلى تبني سياسة الانفتاح المحسوب، حيث أعلنت الحركة في 4 أكتوبر 2025 عن موافقتها على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، بعد مشاورات مع الفصائل الفلسطينية والوسطاء الدوليين، بهدف وقف العدوان وحماية الشعب الفلسطيني، مع التركيز على إعادة الإعمار والتهدئة، وتأجيل القضايا الأكثر حساسية إلى ما بعد الاستقرار النسبي.
تشبه تجربة حماس تحولات حركات سياسية أخرى، فـطالبان انتقلت من مقاومة الاحتلال السوفييتي بدعم أمريكي إلى عدو مباشر للولايات المتحدة بعد 2001، ثم شريك تفاوضي عام 2021، كما تحولت منظمة التحرير الفلسطينية من مقاومة مسلحة إلى شريك في عملية السلام برعاية أمريكية، بينما تبنت بعض القوى الإقليمية تحولا تكتيكيا مماثلا وفق موازين القوى الدولية.
تمثل موافقة حماس على خطة ترامب خطوة تكتيكية استراتيجية تهدف إلى وقف العدوان، وإعادة الاستقرار النسبي في غزة، وتعزيز الدور القطري كوسيط سياسي، دون أن يعني ذلك تبدلا جذريا في الولاء أو الأهداف الأساسية للحركة.
التحولات تكشف أن السياسة الواقعية لا تتعامل مع الولاءات الأيديولوجية الثابتة، بل مع المصالح، والتكيف، والبقاء السياسي. وحماس تسعى لتحقيق التوازن بين التمسك بهويتها المقاومة وبين التكيف مع التحديات الداخلية والخارجية.
إن قراءة التحولات في مواقف حماس يجب أن تتم من منظور التاريخ السياسي الواقعي، لا من الخطاب الإعلامي العاطفي، فالتحولات من طرف إلى آخر أو من تحالف إلى آخر، غالبا ما تعكس إعادة تموضع تكتيكي وفكري تبعا للظروف الإقليمية والضغوط الداخلية، وليس بالضرورة تناقضا أيديولوجيا، وحين تتغير موازين القوى، تبقى القاعدة واضحة: من يمتلك القدرة على التكيف يضمن بقاءه.
*كاتبة اردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …