د. محمد محمودی کیا*
تشكل الغارات الجوية التي شنها الكيان الصهيوني على مواقع حزب الله في المناطق الجنوبية من لبنان مساء يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول، دليلاً على استراتيجية ومشروع هذا الكيان لفتح جبهات جديدة من أجل إكمال مشروعه الأمني والسياسي على مستوى المنطقة.وما يتبين من خلف التطورات، وكذلك بعض المواقف العسكرية والسياسية الصادرة من داخل الكيان الصهيوني، أو بعض التصريحات والإجراءات التي صدرت عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأيام الماضية، هو وجود استراتيجية جديدة للخروج من مأزق أزمة غزة الناجم عن إخفاقات الكيان الصهيوني في استعادة الأسرى والقضاء على حركة حماس أو على الأقل تحييد قدراتها العملياتية. وبالتالي، ورغم اتفاقية السلام التي تمت وسط حفل ضخم بحضور بعض قادة الدول العربية والإسلامية والأوروبية في شرم الشيخ بمصر، يبدو أن دعائم هذا الاتفاق تهتز بسبب استفزازات الكيان الصهيوني في مناطق أخرى، أو حتى إعادة الأزمة إلى غزة مرة أخرى تحت حجج جديدة مثل قضية عدد الأسرى أو استعادة جثث الأسرى القتلى، وكذلك الإجراءات الأخيرة لحماس في تصفية العناصر الخائنة مثل أعضاء جماعة ياسر أبو شباب التي أشار إليها دونالد ترامب، وكل ذلك يدل على أن الأزمة في المنطقة لم تنته بعد.
النقطة المهمة في اتفاقية سلام غزة تكمن في مراعاة احتمال أن عملية استعادة الأسرى والجثث لم تكن سوى خطوة لإنهاء الأزمة داخل الأراضي المحتلة وإخراج نتنياهو من تحت الضغوط الداخلية، وفي حال تحقق هذا الهدف، فإن إمكانية إعادة تفعيل الأزمة تحت حجج واهية لا تزال قائمة.
على كل حال، فإن الغارات الجوية للكيان الصهيوني على المناطق الجنوبية في لبنان مساء 16 أكتوبر/تشرين الأول، إضافة إلى كونها واحدة من المئات من الانتهاكات للتهدء التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد حزب الله، تُعد إجراءً نادراً خلال الأشهر الأخيرة، وكانت أيضاً ذات حدة ملحوظة.
يبدو أن إسرائيل تسعى من خلال هذا النوع من الإجراءات تحقيق هدفين أساسيين: أولاً، القضاء على القدرة الدفاعية والقوة الهجومية لحزب الله في الجنوب إلى أقصى حد ممكن، وثانياً، إجبار حزب الله على تقديم رد على التعديات الأخيرة، والتمسك بهذا الرد المحتمل للمقاومة الإسلامية لفتح جبهة جديدة من الصراع والحرب في الشرق الأوسط.
على أي حال، فإن الكيان الصهيوني يدرك جيداً هذه الحقيقة وهي أنه رغم الدعاية السياسية المكثفة والدعم السخي من الغرب، فإنه يوضع في مسار متسارع للتردي والضعف الهيكلي والمؤسسي. لقد وجه المسار المتسارع للأزمات في الأراضي المحتلة وضع التحديات نحو منحى أصبح غير قابل للإصلاح، وبدأ عملية الانهيار من الداخل. إن السعي لزيادة المدى الأمني للكيان الصهيوني، أو خوض الحرب وتوسيع نطاق الأزمة، هي من بين الأهداف التي يستخدمها قادة الكيان الصهيوني كآخر حيلة لإنقاذ أنفسهم ومستقبل الكيان من المصير المحتوم المتمثل في الزوال.
ومع ذلك، من الضروري وجود يقظة عالية جداً واستعداد فوري لمواجهة أي مغامرة جديدة يقوم بها الكيان الصهيوني في دول المنطقة، لأن النظام الصهيوني الإجرامي أظهر أنه لا يحترم أي خط أحمر، والهجمات المميتة والوحشية اليوم على جنوب لبنان أو ما شهدناه في الهجوم على الدوحة في قطر، تدل على الطبيعة الشريرة لهذا النظام الإجرامي.
من ناحية أخرى، رغم أن ترامب يسعى لتقديم نفسه كرئيس للسلام، والاعتماد على قوته العسكرية وتفوقه التكنولوجي في الساحة الدولية بهدف الحفاظ على الهيمنة الأمريكية على مستوى النظام الدولي، إلا أنه أظهر أن ما يصدر عنه من أفعال وأقوال مصطنع بشكل ملحوظ وغير واقعي ومخادع. وبالتالي، فمن الضروري على حكومات دول المنطقة الإسلامية أن تحذر من الوقوع في فخ اللعبة الشريرة لترامب ونتنياهو، فأي تقصير في التعامل مع الحقائق المخفية وراء وجوه هؤلاء اللاعبين الماكرين والخادعين يمكن أن تكون له عواقب لا يمكن تعويضها على الأمن ونموذج النظام في المنطقة.
من الضروري الانتباه إلى أن الولايات المتحدة، في إطار مستوى الصراع والتحدي الرئيسي على المستوى النظامي، تقوم بتوفير المتطلبات لمواجهة الصين والامتناع عن انتشار نفوذها وقوتها على مستوى النظام الدولي.
من الواضح جداً أن الطاقة هي أحد أهم محاور الحرب غير الرسمية بين الولايات المتحدة والصين، ومنطقة الشرق الأوسط، باحتياطياتها الهائلة من النفط والغاز، هي إحدى الساحات الرئيسية لهذا الصراع، وسيكون من السذاجة بمكان عدم أخذ المسألة الاقتصادية ومنهج الاقتصاد السياسي في الاعتبار عند فهم ديناميكيات النظام على المستوى النظامي أو ما يجري على المستوى دون النظامي مثل الشرق الأوسط. هذا المنطق يذكرنا بأن أهمية الشرق الأوسط لأمريكا تتجاوز بكثير ما يدور في أذهان القادة العرب المتفائلين، الانتهازيين، والذين يتوهمون السلامة.
يعتقد كاتب هذا النص أن الغارات غير المسبوقة التي شنها الكيان الصهيوني على جنوب لبنان الليلة تمثل علامة واضحة على السياسات العدوانية والمحرضة على الحرب التي يتبعها الكيان الصهيوني في المنطقة، ولا شك أن هذا الإجراء يحدث بتنسيق كامل وبضوء أخضر من أمريكا.
*كاتب ايراني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر