نجاح محمد علي*
في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ احتلال عام 1967، أقر الكنيست في الكيان الصهيوني، في قراءة تمهيدية، مشروع قانون يهدف إلى فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية، بما يشمل المستوطنات والمناطق المصنفة (C). هذا القانون، الذي تقدم به نواب من حزب “عوتسما يهوديت” بقيادة إيتمار بن غفير، يُروج له على أنه “تصحيح للوضع القانوني التأريخي”، معتبرًا الضفة الغربية جزءًا لا يتجزأ من “يهودا والسامرة” التوراتية. لكن وراء هذا الخطاب العقائدي المتحمس، تكمن ورطة قانونية، سياسية، واستراتيجية تهدد ليس فقط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بل استقرار الكيان الصهيوني نفسه، وتمتد تداعياتها إلى الأردن والمجتمع الدولي.
يبدو هذا القانون، على السطح، انتصارًا لليمين الصهيوني المتطرف، لكنه في العمق يحمل بذور انهيار المشروع الصهيوني ذاته. فكيف يمكن لقانون يُروج له كـ”إنجاز تأريخي” أن يصبح تهديدًا وجوديًا للكيان؟ دعونا نستعرض الأبعاد المتعددة لهذه الأزمة.
أولاً: الزلزال القانوني الذي يهدد هوية الكيان الصهيوني
على مدار أكثر من خمسة عقود، حافظ الكيان الصهيوني على فصل قانوني دقيق بين الأراضي التي احتلها عام 1948 وتلك التي احتلها عام 1967. لم يكن هذا الفصل عشوائيًا، بل حيلة قانونية متعمدة لتجنب مسؤولية ضم الفلسطينيين ومنحهم حقوق المواطنة الكاملة. فبموجب قانون الجنسية لعام 1952، يحق لكل من يعيش في أراضٍ “تحت السيادة” التقدم بطلب للحصول على الجنسية. ومع وجود أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، فإن ضم هذه الأراضي رسميًا سيفتح الباب، نظريًا، أمام حقهم في المواطنة.
هذا الوضع يضع الكيان الصهيوني أمام مأزق خطير: إما أن يمنح الفلسطينيين حقوقًا متساوية، مما يهدد “الهوية اليهودية” للدولة عبر تغيير جذري في التركيبة الديموغرافية، أو أن يرفض منحهم هذه الحقوق، مما يعني تبني نظام فصل عنصري (أبرتهايد) بشكل رسمي وقانوني. وهكذا، يتحول ما يسميه اليمين المتطرف “ضمًا تأريخيًا” إلى انتحار ديموغرافي وسياسي للمشروع الصهيوني. فالكيان الصهيوني لا يستطيع أن يكون دولة يهودية وديمقراطية في آن واحد إذا نفذ هذا القانون.
ثانيًا: السقوط الأخلاقي والدبلوماسي في عيون العالم
على مدى عقود، اعتمد الكيان الصهيوني على حيلة “التمييز الخارجي” لتجنب اتهامات الفصل العنصري. كان يدعي أن الفلسطينيين في الضفة الغربية ليسوا مواطنين، بل سكانًا تحت سلطة مدنية مؤقتة. لكن مع تطبيق قانون الضم، تنهار هذه الحجة. فالأراضي ستصبح جزءًا من الكيان الصهيوني قانونيًا، وسكانها خاضعين لسيادته عمليًا. هذا يضع الكيان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما منح الفلسطينيين حقوقًا متساوية، أو الإقرار رسميًا بفصل السكان على أساس قومي وديني داخل نفس الإقليم.
هذا الفصل يتماشى تمامًا مع تعريف اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1973 لجريمة الأبرتهايد. وإذا أصبح الكيان الصهيوني، قانونيًا، دولة أبرتهايد، فإنه سيفقد أي مبرر أخلاقي في عيون المجتمع الدولي، حتى في نظر حلفائه التقليديين مثل واشنطن وبعض العواصم الأوروبية. وفي ظل صعود التيارات التقدمية في الغرب، التي تنتقد الكيان بشكل متزايد، سيصبح من المستحيل تقريبًا الدفاع عنه دبلوماسيًا. بمعنى آخر، بن غفير وضع الكيان الصهيوني في فخ: إما الموت السياسي عبر خسارة الدعم الدولي، أو الانتحار الأخلاقي عبر تبني نظام فصل عنصري مكشوف.
ثالثًا: المأزق السياسي الذي يواجه نتنياهو
يدرك بنيامين نتنياهو، أكثر من أي شخص آخر، أن هذا القانون كارثي بالنسبة للكيان الصهيوني. لكنه يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه، إذ يعتمد بقاؤه السياسي على دعم اليمين المتدين المتطرف، الذي يقوده بن غفير وبيزاليل سموتريتش. رفض القانون علنًا قد يؤدي إلى انهيار ائتلافه الحكومي، لكنه في الوقت ذاته يسعى لتجنب تداعياته الكارثية. لذلك، يلجأ نتنياهو إلى المراوغة: يسمح بتمرير القانون في القراءة التمهيدية، لكنه يحاول تجميده في اللجان البرلمانية لمنعه من الوصول إلى التصويت النهائي.
لكن هذه المناورة لن تستمر طويلًا. فمجرد إقرار القانون في قراءة أولى يخلق سابقة تشريعية خطيرة، تسهل على أي حكومة يمينية لاحقة استكمال المسار. بهذا، لم يضع بن غفير نتنياهو في موقف محرج فحسب، بل زرع قنبلة موقوتة تهدد مستقبل الحكومات اليمينية ككل، وتجعلها رهينة لتيار متطرف قد يقود الكيان الصهيوني إلى الهاوية.
رابعًا: تهديد استقرار الأردن واتفاق وادي عربة
الأردن هو الطرف الأكثر قلقًا من هذا القانون، إذ يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنه القومي. منذ توقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994، اعتمدت عمان على فكرة “حل الدولتين” كضمان استراتيجي لاستقرارها. كانت هذه الفكرة تفترض أن قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية سيمنع تحول الأردن إلى “الوطن البديل” للفلسطينيين. لكن قانون فرض السيادة يدفن هذا الحل نهائيًا، مما يعيد طرح السؤال المقلق: إلى أين سيذهب الفلسطينيون؟ وكيف ستتعامل الأردن مع الضغوط الديموغرافية والسياسية الناتجة عن هذا الوضع؟
الضم يعني، عمليًا، أن الكيان الصهيوني لم يعد مهتمًا بإقامة دولة فلسطينية، مما يعيد إحياء الفكرة الصهيونية القديمة التي ترى في الأردن “الدولة الفلسطينية الحقيقية”. هذا الطرح يمثل تهديدًا وجوديًا للأردن، إذ يقوض استقراره الداخلي ويعرضه لضغوط سياسية وديموغرافية غير مسبوقة. بمعنى آخر، بن غفير لم يقدم للأردن مجرد تحدٍ سياسي، بل خازوقًا استراتيجيًا يهدد أمنه واستقراره.
خامسًا: الانفجار الداخلي الذي يلوح في الأفق
إذا تم تنفيذ الضم فعليًا، فلن يقتصر تأثيره على الأزمات السياسية والدبلوماسية، بل سيفجر صراعًا داخليًا داخل الكيان الصهيوني نفسه. التيار الديني القومي، الذي يقوده بن غفير وسموتريتش، يصطدم مباشرة مع التيار الأمني والعلماني، الذي يمثله الجيش وجهازا الشاباك والموساد. هذه المؤسسات الأمنية تعارض الضم بشدة، لأنها تدرك عواقبه الكارثية. فتحويل أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني إلى سكان داخل “الكيان الصهيوني” الرسمي يعني خلق قنبلة بشرية موقوتة. أي خطأ في إدارة هذا الوضع قد يشعل انتفاضة شاملة داخل حدود الكيان، وليس في “أراضٍ محتلة” كما كان الحال سابقًا.
هذا الصراع الداخلي قد يحول الخلاف السياسي إلى انقسام عميق يهدد تماسك المجتمع الصهيوني الهش . فالضم يضع الكيان الصهيوني أمام تحدٍ أمني غير مسبوق، يمكن أن يقوض استقراره من الداخل.
سادسًا: انقلاب القانون على الصهيونية ذاتها
الفكرة الصهيونية قامت على شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. لكن قانون الضم يكشف هذه الأسطورة بشكل نهائي. فالأرض ليست خالية، بل مأهولة بشعب يطالب بحقوقه. إذا ضم الكيان الصهيوني الضفة الغربية، فإن المطلب الطبيعي للفلسطينيين سيكون المواطنة والمساواة، وهو شعار يقلب المشروع الصهيوني رأسًا على عقب. فالدولة اليهودية الأحادية لا يمكن أن تستمر إذا أصبحت ثنائية القومية، مما يعني نهاية الهوية اليهودية الحصرية للدولة.
بهذا المعنى، يتحول الضم من “انتصار صهيوني” إلى رصاصة في قلب الصهيونية. فبدلاً من تعزيز المشروع الصهيوني، يفتح القانون الباب أمام مطالب ديمقراطية تهدد جوهر الدولة اليهودية، وتدفع نحو تصور دولة ديمقراطية ثنائية القومية.
سابعًا: خازوق ثلاثي الأبعاد
يمكن تلخيص تداعيات قانون بن غفير في ثلاثة أبعاد كارثية:
لنتنياهو: أحرجه أمام الداخل والخارج، وجعل ائتلافه الحكومي رهينة لليمين المتطرف، مما يحد من قدرته على المناورة السياسية.
للأردن: قوض حل الدولتين، الذي يشكل أساس الأمن القومي الأردني، وفتح الباب أمام ضغوط ديموغرافية وسياسية تهدد استقراره.
للكيان الصهيوني: زرع بذور انهيار داخلي عبر خلق مأزق ديموغرافي وقانوني يهدد الهوية اليهودية للدولة، ويعرضها لاتهامات دولية بالأبرتهايد.
*كاتب عراقي متخصص بالشأن الايراني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر