د. هاني الروسان*
لكي لا نصدق أن جائزة نوبل هي المقصد الحقيقي للرئيس دونالد ترامب، علينا أن نصدق أن جهود الإدارة الأمريكية لوقف الحروب في أكثر من منطقة توتر في العالم هي جزء من استراتيجية أمريكية لرسم جغرافيا عالمية جديدة تعكس مستوى انتشار القوة الأمريكية على مستوى العالم. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما أطلق ترامب على نهجه هذا ما سماه بـ”فرض السلام بالقوة”، في إشارة لا تقبل التأويل إلى الجهوزية الأمريكية لاستخدام القوة العنيفة للتوقف عند الحدود الحالية التي وصلت إليها هذه الحرب أو تلك، كحدود نهائية لرسم ملامح النفوذ الأمريكي في مواجهة المنافسين، التقليديين منهم والصاعدين الجدد.
وما يهمنا في هذا السياق هو فهم السلام الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وانعكاسه على عناصر مكوناته الأساسية، وخاصة منها المكون الفلسطيني الذي يشكل لب وجوهر المعادلة بأبعادها السياسية والأمنية، حيث إنه عابر وبقوة مختلفة عن غيره من مكونات الصراعات الأخرى من حيث النطاقات الجغرافية والوجدانية والعقائدية والجيوسياسية، وهذا هو الأخطر والأهم.
فلكي يكون هناك سلام إقليمي في الشرق الأوسط يتسم بالقدرة على الاستمرارية والصمود في المنعطفات التهديدية، فإنه ينبغي العمل، إما على إنهاك عناصر رد الفعل في المكون الفلسطيني وتأمين شل قدراتها على التكتل والاستئناف لعدة عقود، وإما الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، التي باتت –وخاصة بعد مؤتمر “حل الدولتين” في أواخر سبتمبر الماضي بنيويورك– الإطار المرجعي يكاد يكون الوحيد لمعالجة المكون الفلسطيني، باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولترجيح هذا عن ذاك، فإننا سنحاول التوقف لفحص واقعية محاولة تطبيق هذا الخيار الدولي. لأن من خلال ذلك، قد نقارب الفهم الأمريكي للسلام الشرق أوسطي، ولا نذهب بعيداً في إسقاطات ذاتية دفينة فينا على واقع توزيع القوة بين قوى الهيمنة العالمية. إذ وكما يقال في بديهيات العلوم السياسية والعلاقات الدولية: “إنه لا يمكن فهم الجزئيات إلا في إطار كلياتها”.
من هنا، وإن كان ذلك تكراراً مملأ، فإن علينا إعادة التذكير بـالتصنيف الأمريكي لمصادر تهديد أمن الولايات المتحدة القومي، حيث تقف الصين –وأقول: معها وليس خلفها روسيا وبعض من دول حواف القوة– في مقدمة هذه التهديدات التي يجب احتواؤها وتفتيتها بدون استخدام القوة المباشرة، وهو ما يعني استبدالها بـالحصار والاحتواء ثم الإنهاك. الأمر الذي يعني الأهمية القصوى للسيطرة والنفوذ في جغرافيا العالم من ناحية، واستخدام القوة الصاعقة من قبل الحلفاء في بعض الحالات لاحتواء القوة في الأطراف من ناحية ثانية. وتقوم هذه الاستراتيجية على أن التهديد الأساسي للهيمنة الأمريكية يأتي من “القوى المراجعة” (Revisionist Powers) التي تسعى لإعادة صياغة النظام العالمي على حساب المصالح الأمريكية، مما يتطلب الحفاظ على ميزان قوة عالمي ثابت لصالح واشنطن وحلفائها.
وفي مثال تطبيقي على الشرق الأوسط، فإنه ليس للولايات المتحدة من حليف موثوق يمكنه القيام بكل ما من شأنه تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية بالاحتواء عبر القوة غير إسرائيل. التي لن تقبل الولايات المتحدة، اكثر من اليمين الديني الصهيوني المتطرف، بأن تكون إسرائيل “دولة حبيسة” بين البحر وحدود الدولة الفلسطينية عند حدود الرابع من حزيران/جوان 1967، لأن ذلك يفقدها أهم عناصر وجودها الوظيفية في الاستراتيجية الأمريكية للحصار والاحتواء واستخدام القوة. إذ لا ينسجم أن نرفض هذه البديهية ونقول في الوقت نفسه إن إسرائيل أداة وصنيعة قوى دولية، فلطالما اعتُبرت إسرائيل “حاملة طائرات غير قابلة للغرق” بالنسبة للمصالح الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي يؤكد رفض واشنطن الدائم لتقليص نفوذها الجغرافي.
وعليه، فإن الاختيار الدولي للشرعية الدولية كإطار للحل سيكون في مواجهة رفض أمريكي، أو بشكل أصح سيبقى في مواجهة استمرار الرفض الأمريكي الذي عبر عنه الاستخدام الأمريكي المتواصل لحق الفيتو في مواجهة أي نية دولية لتطبيق قرارات الشرعية الدولية ولو جزئياً (كوقف الحرب على غزة الذي وُوجه بستة استخدامات لهذا الحق التعسفي). وتم استبدال قرارات مجلس الأمن مؤخراً بقرار ترامب لـفرض وقف لإطلاق النار تمهيداً للسلام الأمريكي الذي نحاول مقاربة فهمه وإن كان واضحاً وضوح الشمس. ويُظهر الاستخدام المتكرر لحق النقض “الفيتو” الخلاف العميق بين واشنطن والغالبية الدولية حول سُبُل إنهاء الصراع، ويعكس تفردها في دعم الموقف الإسرائيلي ضد الإجماع الأممي.
لذا –وهذا هو الأرجح– فإن إطار ملامح السلام الأمريكي في الشرق الأوسط لن تكون قرارات الشرعية الدولية، إلا إذا أُجبرت على ذلك من خلال موقف عربي يقوم على إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي وتحديد مصادر تهديده الحقيقية، وإعادة الاعتبار لتصنيف الصراع على أنه صراع جيوسياسي وليس حدودياً فلسطينياً إسرائيلياً. لأنه من خلال ذلك، لا نصدق أن جائزة نوبل للسلام هي هدف ترامب الحقيقي –على الأقل حالياً، إذ قد ينالها في المرة القادمة– وأن “سلامه بالقوة” يعني ترسيماً لحدود هيمنة قد تستمر لعشرات من السنوات القادمة.
*كاتب وأكاديمي تونسي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر