د. محمد محمودی کیا*
لا يمكن فهم ما يحدث في الشرق الأوسط، والذي استهدف بوتيرة مكثفة خلال العامين الماضيين كافة المعادلات السياسية والأمنية والنظام التقليدي، دون ربطه بمستقبل النظام على مستوى المنظومة الدولية، وإلا فإنه سيثير في الذهن صورة ناقصة عن الواقع.
في اعتقاد كاتب هذه السطور، فإن أحد المحركات الرئيسية لتسارع وتيرة التحولات في المنطقة الاستراتيجية للشرق الأوسط، هو تفاقم العمليات الرامية إلى بناء نظام جديد في مجال المنظومة الدولية. فالحرب الاقتصادية بين الصين وأمريكا، والتي اتخذت شكلاً أكثر واقعية وتوترًا في عهد دونالد ترامب، تدل على تغييرات جذرية في محركات بناء النظام على الساحة الدولية، لدرجة أن الرئيس الصيني تحدث عن ضرورة إعادة تعريف العناصر المعيارية وإعادة هيكلة النظام الدولي استنادًا إلى الرؤية الصينية، وهذه السياسة تُطرح كاستراتيجية كبرى للصين في مرحلة قيادة الجيل الخامس وهي تشكل جدول أعمال جاد للحكومة.
وعليه، فإن أي تدخل لأمريكا في صراع مع الصين بهدف منعها من تعزيز نفوذها على المستوى النظامي، سيتطلب تحصين الاقتصاد الأمريكي من التقلبات واسعة النطاق والموجات القوية الناجمة عن العواقب الاقتصادية لهذا الصراع. وبالتالي، فمن المنطقي أن تبحث الولايات المتحدة عن حلول لقضايا بالغة الأهمية مثل قضية الطاقة التي تمثل عاملًا محوريًا للاقتصاد والصناعة الأمريكية.
فالحرب في الشرق الأوسط عبر القوة التابعة لأمريكا في المنطقة، أي الكيان الصهيوني، وما سبقها من إجراءات مخادعة مثل مبادرة إبراهيم للسلام، أو أكثر من ذلك، صفقة القرن، كلها قابلة للتفسير والفهم في إطار المنطق الاقتصادي لمواجهة الصين. فأمريكا تحتاج، لضمان تدفق طاقة مستقر لصناعاتها ولأسواق مستهلكة، إلى بسط هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط، ولن يتأتى هذا التفوق إلا من خلال إضعاف الحكومات المحلية وتعزيز قوة تابعة؛ وبالتالي فإن بداية الحرب في الشرق الأوسط ونهايتها هي في الأساس مشروع أمريكي يمكن فهمه على أنه إعداد للاقتصاد الأمريكي لمواجهة التوترات الاقتصادية الناشئة عن الحرب التجارية مع الصين.
حتى ما يحدث اليوم في فنزويلا، حيث يوجد احتمال لانفجار الأزمة وبداية الحرب في هذه المنطقة في أي لحظة، ليس إجراءً لمحاربة كارتلات المخدرات، بل هو إجراء لضمان أمن الطاقة المستدام لأمريكا.
في الواقع، طالما أن سيطرة أمريكا على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط أو في أقرب نقطة جغرافية لها، أي فنزويلا، ليست مضمونة، فإن أي دخول في حرب تجارية مع الصين يمكن أن تترتب عليه عواقب وخيمة للهيمنة الاقتصادية الأمريكية.
لقد أدرك السياسيون الأمريكيون هذه القضية جيدًا: إذا لم يعيقوا المسار المتصاعد لتعزيز قوة الصين، فلن يمر وقت طويل حتى تزول الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، وستضطر أمريكا إلى تقاسم العمل العالمي مع الصين. لذلك يمكن الاستنتاج أن الولايات المتحدة والصين تتنافسان لتحديد النظام العالمي المستقبلي. تريد أمريكا الحفاظ على النظام القائم على القواعد الذي تقوده هي، بينما تبني الصين نظامًا بديلاً متعدد الأقطاب. في هذا التنافس، أصبحت المناطق التي تمتلك موارد استراتيجية (مثل النفط) أو موقعًا جيوسياسيًا خاصًا ساحات معركة لهذا التنافس.
فيما يلي، سيتم بذل جهد لتقديم المزيد من التفصيل حول جذور الإجراءات المتجهة نحو الحرب التي تتخذها أمريكا في منطقة الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، وكذلك دور المناطق المذكورة في هذا الصراع للوصول إلى مكانة القوة المهيمنة.
دور الشرق الأوسط: الطاقة، الأمن، والدولار
لا يزال الشرق الأوسط مركز ثقل في سوق النفط العالمي. فكل دولة لديها نفوذ أكبر في هذه المنطقة يمكنها أن تؤثر على أسعار وأمن الطاقة في العالم. هذه الأهمية تشكل أولوية لأمريكا بهدف ضمان تدفق النفط إلى صناعاتها ومنع تأثر الاقتصاد العالمي من قبل المنافسين.
كما أن الهيمنة على الشرق الأوسط تساعد في الحفاظ على تفوق الدولار كعملة رئيسية لمعاملات النفط.
في المقابل،فإن هذه الأهمية ذات طبيعة مختلفة بالنسبة للصين؛ فقد أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط في العالم وتعتمد اعتمادًا شديدًا على طاقة الخليج. إذا سيطرت أمريكا على هذه المنطقة، فهي تتحكم في الواقع في “شريان حيوي” للاقتصاد الصيني. لذلك تسعى الصين إلى تنويع مصادر الطاقة وإقامة علاقات استراتيجية مع الفاعلين في المنطقة (مثل السعودية وإيران والإمارات) لتقليل اعتمادها على رقابة أمريكا.
دور فنزويلا: الموارد، الحدائق الخلفية، ومواجهة نموذج واشنطن
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، مما يمنحها مكانة مهمة في مجال الطاقة، ومن هذا المنظور، فإن السيطرة على هذه الموارد أو حرمان الخصم من الوصول إليها يمثل رافعة استراتيجية قوية. الهدف من سياسة “الضغط الأقصى” التي تنتهجها حكومة الولايات المتحدة ضد حكومة مادورو، ليس فقط تغيير النظام، ولكن أيضًا منع الصين وروسيا من الوصول إلى هذه الموارد النفطية منخفضة التكلفة وإنشاء قاعدة نفوذ في حديقتها الخلفية. في المقابل، استثمرت الصين مليارات الدولارات على مدى عقود في فنزويلا، مما جعلها حليفًا رئيسيًا في أمريكا اللاتينية. دعم الصين لمادورو يمثل هجومًا مضادًا لعقيدة مونرو الأمريكية (السيطرة على نصف الكرة الغربي) وعرضًا لتقديم “نموذج بديل” للحكم مقابل “نموذج واشنطن”.
العلاقة الإجمالية لوضعية الصراع
يمكن اعتبار الصراعات في الشرق الأوسط وفنزويلا بمثابة حرب بالوكالة اقتصادية-جيوسياسية بين أمريكا والصين. في ضوء هذه الرؤية، تبرز عدة قضايا مهمة:
أولاً: تقسيم الاهتمام والموارد: تضطر أمريكا إلى تقسيم اهتمامها ورأس مالها وقدراتها الدبلوماسية والعسكرية بين عدة جبهات (مواجهة الصين في آسيا-المحيط الهادئ، وإدارة الشرق الأوسط، ومواجهة روسيا في أوروبا). أي صراع في الشرق الأوسط أو فنزويلا يحول موارد أمريكا عن التركيز الكامل على الصين، وهو ما يفيد بكين ما لم تكن أمريكا متأكدة من نتائج الصراع بحيث يمكنها تعويض الموارد التي أنفقتها في الحرب من خلال استغلال الفرص في مرحلة ما بعد الصراع.
ثانيًا: اختبار أدوات القوة: توفر هذه الأزمات ساحة لاختبار أدوات القوة. تستخدم أمريكا العقوبات المالية بينما تعمل الصين على تطوير أنظمة مالية بديلة لتحييد هذه العقوبات.
ثالثًا: المنافسة على المؤسسات والتحالفات: تعمل أمريكا عبر حلف الناتو وحلفائها التقليديين. بينما تبني الصين شبكات نفوذ بديلة عبر مبادرة “الحزام والطريق” ومنظمات مثل مجموعة بريكس. إن النفوذ في مناطق بعيدة مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتين هو جزء من هذه الاستراتيجية الأوسع.
خلاصة
باختصار، ترتبط الحرب والأزمة في الشرق الأوسط وفنزويلا بعلاقة مباشرة واستراتيجية مع المواجهة الاقتصادية بين أمريكا والصين. في الواقع، هذه الصراعات الإقليمية هي تجلٍ لنفس المنافسة الأكبر لتحديد من سيشكل القرن الحادي والعشرين.
في هذا الصراع، يمكن لوجود قوة ثالثة أن يهيئ الأرضية لفاعلية مستقلة للاعبين خارج القطبين الأمريكي-الصيني، ويمنع وقوعهم في أزمات ناتجة عن التوتر بشأن النظام الدولي المستقبلي. تسعى جمهورية إيران الإسلامية، بالتركيز على منطق المقاومة ودعم إرادة الشعوب للوقوف في وجه النزعة التوسعية والاستئثارية لأمريكا وقوتها التابعة في المنطقة، أي الكيان الصهيوني، إلى تهيئة الأرضية لتشكيل منطقة قوية ومستقلة لتقليل التحديات الناشئة عن صراع الأقطاب في النظام الدولي المعاصر؛ وهو أمر لم يتمكن، بسبب أنظمة الحكم المستبدة وغير المعتمدة على المجتمع، من أن يؤدي إلى إجماع بين الحكومات، بل على العكس من ذلك، فقد نجح من خلال الارتباط بالخطاب العام للمجتمعات الإسلامية والعربية في خلق منطق اجتماعي لمواجهة التهديدات القائمة. لذلك، لن يكون من غير المتوقع أن تستمر الحرب في الشرق الأوسط بهدف قطع السلسلة الاجتماعية للخطاب المقاوم، وأن تندلع أزمة جديدة من مناطق أخرى بعد غزة.
*كاتب وأكاديمي ايراني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر