الأربعاء , مارس 4 2026
الرئيسية / اراء / سادية إسرائيل الممنهجة بموافقة دولية!

سادية إسرائيل الممنهجة بموافقة دولية!

 

د. ميساء المصري*

في غرفة ضيقة، مقيدة اليدين، عارية، سمعت صرخاتها تتلاشى بين ضحكات الجنود، قبل أن يدخل كلب مدرب ويصبح جسدها ملعبًا للتعذيب والإغتصاب المتكرر. هذا ليس مشهد فيلم رعب، بل شهادة حية لمعتقلة فلسطينية من غزة، واحدة من أكثر من مائة ضحية وثقهن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في سجون إسرائيل. و العرب والمسلمون صامتون،و العالم يشاهد والجرائم مستمرة بلا رادع.
في قلب غزة، تُرتكب أبشع الجرائم التي يمكن أن يُخيّل للإنسان أنها خرجت من أسوأ كوابيسه، اغتصاب ممنهج، تعذيب بالسادية، الكلاب المدربة كسلاح رعب، اعتداءات بالأدوات الحادة، وتصوير الضحايا لتدمير كرامتهم ونسف إنسانيتهم بالكامل. مئات الفلسطينيين، رجالًا ونساءً، شبانًا وكبارًا، يتعرضون لأفظع الإنتهاكات أمام أعين العالم بصمت قاتل.
أما المنظمات الحقوقية، التي من المفترض أن تكون الدرع القانوني للضحايا، فهي اليوم تهلوس حول تمويلات ومؤتمرات وجوائز ومنح هنا وهناك، وتلهث وراء ميزانيات، لكن أين هي عندما تُغتصب الإنسانية في غزة؟ أين هي عندما تُسحق كرامة البشر؟ أين كانت عندما تُستباح حقوق الآف البشر في مخيمات ومعتقلات؟ هذا الصمت المريع هو الجزء الأكثر إيلامًا من الجريمة، ليس فقط من يغتصبون، بل من يفترض بهم أن يرفعوا الصوت، وهم يختفون خلف مكاتبهم وعناوين التمويل، تاركين الضحايا يصرخون بسكون.
تلك ليست جرائم، بل عقيدة إذلال.إذلالٌ يخطّط له في الغرف الأمنية المغلقة، كما يُخطّط لعمليات القصف والهدم. والهدف واحد، أنْ يُعاد تشكيل الفلسطينيّ نفسيًّا ليؤمن أنّ كل شيء حتى صمته ملكٌ للمحتل.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح، لماذا هذا الإنفجار السادي في لحظةٍ كهذه؟
الجواب، ببساطةٍ وبقسوة، لأنّ إسرائيل تخسر سرديتها.
بعد عامٍ من الحرب، وبعد آلاف الشهداء وصور المجازر، لم تعد الضحية الأبدية قادرة على إقناع العالم. لذلك، تحاول عبر الترهيب الجنسي والمجازر الجسدية إعادة إنتاج الخوف القديم ، الخوف الذي يحوّل الفلسطيني من مقاومٍ إلى صامت، ومن شاهدٍ إلى ميتٍ من الداخل.
و الهدف واضح، إعادة إنتاج الخوف، تحطيم الروح الجماعية، وإرسال رسالة صارخة لكل من يفكر بالمقاومة.هذه السياسة تمثل امتدادًا للسياسات الأمنية والعسكرية، لكنها أعمق لأنها تمس الهوية الجسدية والنفسية، وتحوّل الإعتقال إلى تجربة إبادة معنوية قبل أن تكون جسدية.
إنّ العنف الجنسي هنا ليس رغبةً مريضة، بل أداة سياسية مقصودة. فهو يحقق أربعة أهداف استراتيجية في وقتٍ واحد عبر تحطيم البنية النفسية للمجتمع الفلسطيني. و إرسال رسالة ردع لأي محاولة مقاومة مستقبلية. إذلال الأسرة والعائلة في مجتمع محافظ، لزرع العار والخوف والانقسام الداخلي. و إخفاء آثار الإبادة الجماعية خلف ستار الحرب على الإرهاب.
أكرر بقوة ، هذه ليست جرائم جنودٍ غاضبين، بل سياسة صُمّمت بعناية في مراكز القرار الإسرائيليّة، لتُكمل ما بدأته الدبابات في الأرض، تدمير الإنسان نفسه.
و كل ذلك ليس صدفة، بل هو جزء من ما يسميه خبراء القانون الدولي هندسة الخضوع الجسدي.
إسرائيل، التي تدّعي أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، تمارس الآن أشدّ أشكال السادية المُمأسسة، إذلالٌ ممنهج تحت إشراف عسكري، داخل مراكز احتجاز مغلقة أمام الصليب الأحمر، وفي ظلّ صمتٍ غربيٍ يخنق الحقيقة بإسم محاربة الإرهاب.
وللمحامين العرب ،القانون الدولي الإنساني واضح، المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر الإعتداء على الكرامة الشخصية، لا سيّما الإغتصاب والمعاملة المهينة والنظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية (المادة 7 و8) يعتبر الاغتصاب والتعذيب ضمن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وعندما تُمارس بشكلٍ واسعٍ ومنهجي ضد مجموعة محددة، فإنها ترقى إلى جريمة إبادة جماعية.وهو ما جرى بحقّ أكثر من مائة معتقل ومعتقلة من تعريةٍ واغتصابٍ وصعقٍ وتصويرٍ وإهانةٍ متعمّدة، مما يستوفي تمامًا أركان هذه الجريمة. بل هو الوجه القذر لجريمة الإبادة الجارية في غزة منذ عام كامل.
و ما الذي يجعل عواصم الغرب، التي تبكي لحقوق المرأة والمثليين في كل مكان، والتي انتفضت لما يحصل في غزة ، تصمت أمام اغتصاب النساء الفلسطينيات على يد جنودٍ يرفعون علم الديمقراطية؟ وما الذي يجعل الأنظمة العربية والإسلامية تتحدث عن المساعدات الإنسانية في صفحة أخرى مختلفة بينما تُغتصب كرامة مسلمة في سجون الإحتلال؟
السكوت ليس حيادًا، بل شراكة في الجريمة. كلّ من يعرف ويسكت هو شريك. كل من يبرّر أو يؤخر أو يتواطأ في تعطيل المحاسبة، هو طرف في جريمة الإبادة.
المجتمع الدولي الذي هرع لمحاكمة صرب البوسنة بتهمة الاغتصاب الجماعي، اليوم يتلعثم أمام إسرائيل.والمفارقة المؤلمة أنّ الأدلة أوضح، والشهادات أكثر، لكنّ الجاني محصّنٌ بالفيتو الأمريكي وبنفاقٍ غربيٍ لا يُخفى على أحد.
إن أي محاسبة فعالة تتطلب، محاكمة المسؤولين العسكريين والمدنيين الإسرائيليين المتورطين في الاعتداءات الجنسية على المدنيين الفلسطينيين، وفق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
وتفعيل الرقابة الدولية على مراكز الإحتجاز لضمان حماية المعتقلين والمعتقلات. وتصنيف العنف الجنسي كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وعدم الإكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية أو التقارير الإعلامية.
الرسالة واضحة، السلام والإستقرار لا يمكن أن يُبنيا على إفلات من العقاب واغتصاب جماعي للكرامة الإنسانية. القانون الدولي، المؤسسات الحقوقية، والمجتمع الدولي ملزمون بالتحرك لمنع تكرار هذه الإنتهاكات. إن السماح بمرور هذه السياسات تحت شعار الحرب أو الأمن يعني السماح بغزو أخلاقي مستمر، لا يطال الضحايا فقط، بل يهدد القيم الإنسانية نفسها.
ختامًا، ما يحدث في غزة ليس مجرد فصل من الحرب، بل وجه الإبادة الجماعية النفسية والجسدية. ولن تتحقق العدالة إلا عبر متابعة قانونية حقيقية، محاسبة دولية حازمة، وضغط عربي ودولي مستمر لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب. كل دقيقة صمت أو تواطؤ تزيد من عمق الجريمة، وتؤكد أن الإغتصاب هنا ليس تجاوزًا فرديًا، بل أداة حرب ممنهجة وجريمة العصر بحق الإنسانية.
اللهم إني بلغت ..اللهم فاشهد…
*كاتبة سياسية أردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حتى لا نضيّع البوصلة!

د. طلال أبوغزاله* الأصل أن يظل التركيز على أصل المشكلة، وليس التّيه والتخبّط في معالجة …