الأحد , مارس 15 2026
الرئيسية / اراء / من دولة الأمن إلى أمن الدولة!

من دولة الأمن إلى أمن الدولة!

د. ياسين العلي*
لم تكن حادثة تدمر الأخيرة، التي أعادت تنظيم داعش إلى واجهة المشهد عبر عملية ذات دلالة أمنية ودولية، مجرد خرقٍ أمنيٍّ محدودٍ في جغرافيا بعيدة عن مراكز القرار، بل شكّلت لحظة كاشفة لطبيعة التحدي البنيوي الذي تواجهه الدولة السورية في مرحلتها الانتقالية. فالحدث، بقدر ما أعاد طرح سؤال الإرهاب، أعاد بصورة أعمق طرح سؤال النموذج الأمني الذي تُدار به الدولة: هل ما تزال سورية أسيرة مفهوم «دولة الأمن»، أم أنها قادرة على الانتقال إلى مفهوم «أمن الدولة» بوصفه إطارًا علميًا وتطبيقيًا حديثًا لإدارة الاستقرار؟
الفرق بين المفهومين ليس لغويًا ولا شكليًا، بل جوهري في الفلسفة والوظيفة والنتائج. فـ«دولة الأمن» تختزل الدولة في أجهزتها الأمنية، وتتعامل مع التهديدات باعتبارها وقائع منفصلة تُواجه بالقوة المباشرة، وتُدار بمنطق الطوارئ والاشتباه والتوسّع في الضبط. في هذا النموذج، يُقاس الاستقرار بغياب التفجيرات، لا بمتانة المؤسسات، وتُختزل السيادة في القدرة على القمع، لا في القدرة على الحكم الرشيد.
في المقابل، يقوم مفهوم «أمن الدولة» على رؤية مركّبة ترى الأمن بوصفه نتاجًا لتفاعل منظومات متعددة: سياسية، ومؤسسية، واقتصادية، واجتماعية، وقانونية. ووفق هذا الفهم، لا يكون الأمن هدفًا قائمًا بذاته، بل نتيجة مباشرة لحسن إدارة الدولة، وبناء الشرعية الوظيفية، وسدّ الفراغات التي تتغذّى عليها التنظيمات المتطرفة والعابرة للحدود.
تُظهر حادثة تدمر بوضوح حدود المقاربة الأمنية التقليدية. فتنظيم داعش، كما أثبتت التجربة، لم يعد يسعى إلى السيطرة على الأرض بقدر ما يسعى إلى استثمار الهشاشة، وضرب الرمزية، واختبار قدرة الدولة على إدارة الجغرافيا المعقّدة والممتدة. وهو تنظيم ينشط حيث تتقاطع ثلاثة عناصر: فراغ أمني، وضعف مؤسسي، وانفصال بين الدولة والمجتمع المحلي. وهذه العناصر لا تُعالج بالحملات الأمنية وحدها، بل بمعالجات هيكلية متكاملة.إن الانتقال إلى «أمن الدولة» يفرض على الحكومة السورية إعادة تعريف وظيفة الأمن ذاتها. فالأمن هنا لا يعني فقط منع التفجير التالي، بل منع الشروط البنيوية التي تجعل التفجير ممكنًا أصلًا. ويتطلب ذلك، أولًا، بناء منظومة استخبارية تحليلية حديثة، تعتمد على جمع البيانات، والإنذار المبكر، والعمل الوقائي، لا على ردود الفعل اللاحقة. ويتطلب، ثانيًا، دمج الأمن بالتنمية، بحيث تصبح المناطق الهشّة أولوية للاستثمار والخدمات وبناء الفرص، لا مجرد مسارح للمراقبة والضبط.
سياسيًا، يشكّل هذا التحول شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية. فالدول والمجتمع الدولي لا يتعاملان مع الاستقرار بوصفه حالة أمنية صامتة، بل كقدرة دولة على إدارة المخاطر بشكل مؤسسي وقابل للتنبؤ. وكلما استمرت سورية في إدارة شؤونها بمنطق «الأمن أولًا»، بقيت صورتها دولة عالية المخاطر، مهما تحسّن الواقع الميداني مؤقتًا.
اقتصاديًا، لا يمكن لأي مسار تعافٍ أو جذبٍ للاستثمار أن يتقدّم في ظل نموذج «دولة الأمن». فالمستثمر لا يبحث فقط عن غياب الحوادث، بل عن وضوح القرار، واستقرار القواعد، وقدرة الدولة على حماية الحقوق والعقود، لا مجرد حماية المواقع. ومن هذا المنظور، يصبح «أمن الدولة» شرطًا مسبقًا لخفض علاوة المخاطر السيادية، ولإعادة إدماج سورية في شبكات التمويل والتجارة الإقليمية والدولية.
أما اجتماعيًا، فإن التحول إلى أمن الدولة يكتسب بعدًا أكثر إلحاحًا. فالمجتمعات التي تُدار أمنيًا تُنتج، في الغالب، استقرارًا هشًّا وقابلًا للانفجار عند أول صدمة. بينما يقوم أمن الدولة على إدماج المجتمع في منظومة الوقاية، وبناء الثقة، وتحويل المواطن من موضوعٍ دائم للاشتباه إلى شريكٍ فعلي في حفظ الاستقرار.
خلاصة القول، إن حادثة تدمر لا تمثّل مؤشر فشل بقدر ما تشكّل جرس إنذار استراتيجي. فهي تُظهر بوضوح أن سورية تقف اليوم عند مفترق حاسم: إما إعادة إنتاج «دولة الأمن» بأدوات جديدة، مع ما يحمله ذلك من استنزاف سياسي واقتصادي واجتماعي، أو الانتقال الواعي والشجاع إلى «أمن الدولة» بوصفه نموذجًا حديثًا لإدارة الاستقرار والتحول.
هذا الانتقال ليس ترفًا فكريًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل مفتاح النجاة الحقيقي لسورية في مرحلتها الجديدة: دولة تُدار بالمؤسسات لا بالاستثناء، وتُحكم بالقواعد لا بالهواجس، وتبني أمنها بوصفه نتيجة للسياسة الرشيدة والتنمية الشاملة، لا بديلًا عنهما.
*كاتب سوري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الفرن الإيراني.. هل يلتهم ترامب ونتنياهو معاً؟

  أحمدالرجوب* في مغامرة عسكرية غير مسبوقة، انساق الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلف وعود رئيس …