د.محيي الدين عميمور*
ليس سرا أن العمل السياسي على الساحة الإقليمية والدولية يفترض ألاّ صداقة دائمة أو عداوة دائمة، ومن هنا تأتي أهمية النظرة الإستراتيجية للواقع الدولي بعيد عن التهريج البلاغي وادعاء الحكمة، وابتعادا عن محاولة تصفية الحسابات بطريقة بقّال “الحومة”..
وكمثال بسيط، لم يكن أحد يتصور منذ عدة عقود أن رئيسا فرنسيا كان على رأس من حاربوا الألمان بشراسة سوف يستقبل في بيته، وللمرة الأولى والأخيرة في التاريخ، رئيس وزراء ألمانيا، العدوّ التاريخي لبلاده، لكن ذلك حدث فعلا، وكان لقاء شارل دوغول وكونراد أديناور من أهم عناصر بناء الوحدة الأوربية.
ويكفي أن نلقي نظرة على الواقع الأوربي اليوم في مواجهة “التعنتر” الأمريكي، الذي وصل إلى حد إعلان نية احتلال جزء من دولة أوربية مستقلة وسيّدة، ونحاول تخيل الوضع الدولي لو أمكن الوصول في مرحلة سابقة إلى خلق كتلة عالمية بين الدول الصناعية ودول القارة الإفريقية على أساس التكافؤ والاحترام المتبادل وتبادل الخبرات، وما كان يمكن أن يترتب على ذلك لمصلحة التوازن الدولي، الذي قد يكون من علاماته زيادة عدد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ودعم منظمة الأمم المتحدة لمصلحة السلام العالمي، وهكذا لا تستطيع قوة واحدة احتكار القرار العالمي لمصلحتها الأنانية.
ولا ينكر أحد أن تاريخ أوربا في إفريقيا هو أكثر سوادا من “قرن الخروب” كما يقول أشقاؤنا المصريون، لكن هذا لم يمنع دُول القارة السمراء من محاولة قلب صفحة الماضي وبناء مرحلة جديدة من التعاون الذي كان من ضمانات نتائجه الإيجابية المحتملة أن قيادات القارة في مرحلة ما كانت من ثمار عملية التحرر الوطني، وليس هناك من يمكن أن ينسى مواقف أحمد بن بله وهواري بومدين ومحمد الخامس والحبيب بو رقيبة وجمال عبد الناصر وأحمد سيكوتوري وقوامي نكروما وماتيو كيريكو وحماني ديوري وأبو بكر تفاوا باليوا وروبرت موغابي، وهو ما تجسد في تكوين منظمة الوحدة الإفريقية، التي كان يمكن ان تكون فجرا للطموح القاريّ.
ومن الطبيعي أن يسخر من هذا الطموح من قال عنهم أبو القاسم الشابي يوما: “وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر”، ومنهم من هاجموا تأميم الرئيس جمال عبد الناصر لقناة السويس قائلين أن ذلك تسبب في العدوان الثلاثي، وهو أمر صحيح، لكن ذلك العدوان أسقط الجمهورية الفرنسية الرابعة وألقى بخليفة “ونستون تشرشل” في مزبلة التاريخ، ووضع الوطن العربي على رأس قائمة التحرر الوطني.
ومن هؤلاء من سخروا يوما من قيام نخبة وطنية جزائرية بإشعال الثورة ضد الوجود الفرنسي، في حين أن من بينهم من استفادت بلاده من نجاح الثورة، ومن الخط التحرري الذي سارت عليه الجزائر بعد استرجاع الاستقلال، حتى ولو كان منهم من يحاول اليوم التستر على مواقف التواطؤ مع المستعمر السابق، بإلقاء الأحجار على من كان لهم فضل كبير في تحريره ودعم نضال شعبه التحرري، وهو ما وصل إلى حدّ تظاهر بعض أولئك بالانتساب للبلد الذي يهاجمه، منتحلا صورة معارضة وطنية سياسية نزيهة.
ويندرج في هذا الإطار محاولة التأثير على إرادة كل من يحاول محاربو اليأس والإحباط وتحفيز الروح الوطنية، عبر التذكير بالانجازات التي تشكل زادا معنويا فعالا لقوى وطنية تناضل في سبيل الخروج النهائي من نطاق السيطرة الفعلية للمستعمر السابق.
ومن السذاجة أن نتصور أن تلك المحاولات هي مجرد نزوات فردية دافعها شوفينية الحسد الشخصي لأن الواقع يشير إلى أنها إرادة سلطوية عليا وتوجيهات ممنهجة ومقصودة لدفع النظر بعيدا عن مواقف العمالة والتخاذل التي تتخذها قيادات مستلبة معينة، متناقضة مع أمانة المسؤولية الوطنية ومع التعبير النزيه عن إرادة الشعوب المغلوبة على أمرها، بقدر ما هي دعم لهمجية الإمبريالية الجديدة وتدمير لإرادة الصمود الوطني في مواجهتها.
وأتذكر دائما كلمات السياسي الجزائري الخالدة، عبد الحميد مهري: إنه زمن الرداءة، وللرداءة أهلها (ولم يقل..رجالها).
أخر الكلام: برغم السقوط السوري الذي أكد أن كل التجمعات التي رفعت لواء “الدولة الإسلامية” كانت عناصر تعمل في خدمة الإمبريالية الجديدة، أسوة بتجمعات “القاعدة” التي كانت رأس حربة لإسقاط الاتحاد السوفيتي، فإنني لن أعتذر عن فرحتي بسقوط نظام بشار الأسد، ولمجرد أن ذلك النظام هو الذي أعدّ الأرضية لكل ما حدث منذ ديسمبر 2024.
*كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر