الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / الترامبية إمبريالية سوبر سوبريم!

الترامبية إمبريالية سوبر سوبريم!

الياس فاخوري*
“الإمبريالية اعلى مراحل الرأسمالية”: اوحى بها ماركس ليُثْبِتَها لينين حقاً بالمادية الجدلية (الديالكتيكية) والمادية التاريخية، وجاءت “الترامبية” بمبدأ “دونرو” وافعاله لتجسد توحشها وافتراسيتها!
ابدأ بمقطع مما كتبته نهاية الأسبوع الماضي:
في خضمّ زحام التحولات من “مونرو” الى “دونرو” ومن غرينلاند الى صوماليلاند وفنزويلا البوليفارية فالمكسيك وكولومبيا وكوبا والنرويج، ووسط اكتظاظ محاولات اعادة رسم الخرائط الدولية، واعادة هندسة الجغرافيا العالمية، وإعادة انتاج الجيوسياسة الكونية .. في خضم هذة ووسط تلك، تبقى غزة صامدة واليمن صامد كما كوريا الشمالية وإيران والصومال .. المقاومة مستمرة وفلسطين هي البوصلة وإسرائيل حتماً الى زوال!
واليوم أُذكِّر بنظرية الامبريالية، كما صاغها نيكولاي بوخارين، التي تشير الى تماهي الجغرافيا والاقتصاد وتؤكد تطابق المنافسة الجغرافية بين الدول والمنافسة الاقتصادية بين رؤوس الأموال. فمن ناحية أدت عملية التقدم العسكري إلى عدم قدرة القوى العظمى على الصمود بدون تطوير بناها الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، أدت عملية تركز وعولمة رأس المال إلى تحول المنافسة بين الشركات إلى صراع جيوستراتيجي تلجأ بمقتضاه الشركات إلى طلب دعم دُولها. لقد امتزجت المنافسة الاقتصادية بالمنافسة العسكرية في الحروب الامبريالية ما بين عامي 1914 و1945. وعليه تقدم هذه النظرية إطاراً عملياً لفهم “الترامبية” ونزوع الولايات المتحدة نحو الحروب.
لقد اسقط، كما أسلفت، مبدأ “دونرو” (مبدأ دونالد ترامب الذي اسقط من مبدأ “مونرو” الفقرة المتعلقة بعدم تدخل الولايات المتحدة بالدول الأوروپية) – اسقط الأمم المتحدة بكليتها، واسقط معها القانون الدولي والمجتمع الأممي، وكلّ المتشدّقين بالحرية والديمقراطية ودعاة حقوق الإنسان وكأنه إستعار من تاريخ اداب العرب “لزوم ما لا يلزم” ليلقي بها على الامم المتحدة وجمعياتها ومجالسها. وكذلك اسقط المراهنين على أسوأ إمبراطورية شهدها الكون والتاريخ — إمبراطورية مارقة قامت على العرقبادة (الإبادة الجماعية والتطهير العرقي)، وسيطرت وسطت تعزيزاً لمصالحها، وبسط نفوذها، واستعراض هتلريتها وقوّتها وجبروتها، واستنزاف دماء الشعوب وثرواتهم .. لم تقدم لهم سوى الاستبداد والاستعباد، والقهر والظلم، والاستغلال .. أنا – دونالد ترامب – ربّكم الأعلى، وعليكم تنفيذ ما أريده. إن فعلتم سلماً منحْتُكم حياة العبيد، وإن رفضتم قتلتُكم وأبَدتُ نسلكم! هل من يقرأ لترامب نبوءة ابن خلدون بسقوطه (راجع “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر” المعروف ب”مقدمة ابن خلدون”)!؟
في حين دفن مادورو ثورة “تشافيز” البوليفارية، نرى دونالد ترامب ووزير خارجيته (الكوبي الأصل) ماركو روبيو يعملان على محو تاريخ أمريكا اللاتينية في مقاومة الإمبريالية حيث اشارت غزوة القرصنة والاختطاف الى ضرورة أخذ استراتيجية ترامب للأمن القومي على محمل الجد. ف”لن تكون سيطرة الولايات المتحدة في نصف الكرة الأرضية الغربي موضع تشكيك مرة أخرى” وفقاً لقراءة ترامب الذي أضاف: “نريد نصف كرة أرضية تبقى بمنأى عن التوغل الأجنبي العدائي .. وتدعم سلاسل الإمداد الحيوية – كما نريد ضمان استمرار وصولنا إلى المواقع الاستراتيجية الرئيسية”!
أتذكرون كيف أكرهت الولايات المتحدة بنما على إنهاء مشاركتها في مشروع الحزام والطريق الصيني، ودفعتها لقبول قوات أمريكية على أراضيها!؟ وكيف ارغمت شركة مقرها هونغ كونغ (CK Hutchison) على بيع مينائين استراتيجيين عند طرفي قناة بنما (علماً أن هذا النزاع لم يُحسم بعد)!؟
وهكذا تشي غارات القرصنة وغزوة الاختطاف الأمريكي لفنزويلا بمأزق الامبريالية الامريكية في مواجهة الصعود المتسارع للعملاق الصيني حيث ارتفع نمو حجم التجارة بين الصين وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي من نحو 12 مليار دولار عام 2000 إلى أكثر من 500 مليار دولار بحلول عام 2024. وتعتبر الصين الآن الشريك التجاري الأول لأمريكا الجنوبية، والثاني لأمريكا اللاتينية والكاريبي ككل بعد الولايات المتحدة .. هذا صعود يهدد بسقوط الامبريالية الامريكية من المرتبة الأولى عالميًا، على المدى المتوسط، بعد تراجع نصيبها في الاقتصاد العالمي بشكل لافت لحساب بكين، خلال السنوات الأخيرة!
وفي سياق البربرية الترامبية هذا، لا تفوتنا الإشارة الى تطلع ترامب لكسب شعبية وسط صقور الحزب الجمهوري في ميامي وسائر الولايات، سيما أن استطلاعات الرأي بدأت تُلمّح إلى شبح الهزيمة التي قد يتلقاها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقررة هذا العام على خلفية تدهور مستويات المعيشة وتفاعلات فضيحة جيفري ابستين التي يعمل ترامب جاهداً على صرف الانتباه عنها!
بالغزو الهمجي والسعار الضاري وأعمال القرصنة الشرسة والدنيئة في غزة ولبنان وإيران واليمن وحتى الدوحة وسوريا والصومال والعراق والسودان وليبيا ونيجيريا واليوم في فنزويلا، وغداً في غرينلاند والمكسيك وكولومبيا وكوبا وحتى النرويج — بهذا يتم تظهير نظام عالمي جديد ينبعث فيه الاستعمار الإمبراطوري ليحتل صدارة المشهد بلا زينة ومن غير تبرج ومساحيق تجميل فيسقط الديكور الديمقراطي الأنيق وأجهزته ومنظماته ومؤسساته.
وهذا يعيدنا الى تسعينات القرن الماضي حين قال الفيلسوف الفرنسي اليهودي ادغار موران ان الحاخامات قد احترفوا التأويل الدموي للتوراة، وجعلوا الساسة والعسكريين على ذلك الشبق المخيف للدم: ذبح وقتل واقتلاع وترحيل مستمر وموصول ادى لتشكل تلك القناعة الفلسفية بأن بقاء الدولة رهن بالخط الاسبارطي والقوة العمياء. هذا ما يظهر في البلدان المذكورة اعلاه بالخطوط المفتوحة مع تل أبيب!
ما انفكوا يحاولون تكرار 48 بالتوسع الاستيطاني وعمليات الارهاب من قبل عصابات الهاجانا، والإرجون، وشتيرن، والبلماح المستجدة مدعومة بجيش الاحتلال لتهجير الفلسطينيين من ارضهم والاستيلاء عليها عبرالاستيطان الاستعمتري الاحلالي!
وها هو التاريخ يعيد اليومَ ذاته؛ فائق الدم النازف، وفائض الدمار المتواصل منذ أن نشبت الحرب بين الكيان من جهة ولبنان وغزّة من جهة أخرى. فمن كهف “يهوه” الى كهوف تورا بورا، مازالوا يسعون لتقديمنا قرباناً للغاز والنفط .. وإذا كانت مذبحة “دير ياسين” عام 1948م تمثل عنواناً لنزف الدماء، فقد صارت “غزة” و”الضفة” و”لبنان” اليوم رموزاً لشلالات الدم .. كان موعد فلسطين مع أول مذبحة يوم 6-3- 1937م في سوق حيفا حيث استشهد 18 مدنياً وأصيب 38 على يد عصابة “الإتسل”، وكان موعد لبنان مع أول مذبحة في عام 1948م وهي مجزرة “مسجد صلحا” بالجنوب .. وفي السجل المتخم بالمذابح الصهيونية في فلسطين ولبنان ومصر تطول القائمة التي تحوي حوالي 300 مجزرة بدءاً بالعام 1937م ومروراً بمجازر ومذابح الشيخ، ابو شوشة، الطنطورة، قبية، قلقيليه، كفر قاسم، خان يونس، المسجد الأقصى، المسجد الإبراهيمي، مخيم جنين، قانا الاولى، قانا الثانية، وقرية “مروحين” وصور وبنت جبيل ومارون الراس وصريفا وصبرا وشاتيلا، مذبحة الأسري المصريين في حرب 1967م، ومذبحة مدرسة بحر البقر .. وها هي وتيرة المذابح تتسارع يومياً على أرض فلسطين من جنين وطول كرم، والخليل ونابلس إلى غزة .. هذا ولم تُشر الوقائع والبيانات المسجلة إلى أن مجزرة واحدة قد وقعت بطريق الخطأ، بل تؤكد التدبير لكل منها مع سبق الإصرار والترصد.. وليست هناك مجزرة واحدة وقعت بحق مقاومين أو مقاتلين، بل كانت كلها بحق مدنيين أبرياء وعلى حين غرة منهم؛ في الأسواق، والعيادات، وفي الأحياء والبيوت – وبعضهم نيام..
كم قلتُ لكم (وهذا موثق بعدد من مقالات المفكرة القومية العربية الاردنية ديانا فاخوري وبمعظم مقالاتي) انه “الحاخام” الأعظم القادم للتو من زوايا “التوراة”، وحيث رقصة الأنبياء بين جاذبية الدم وجاذبية النار ليجمع جنون هتلر بجنون هولاكو نحو الجنون النووي .. نعم، قد يصل هذا “النتن ميلكوفسكي” الى الجنون النووي ما لم نجثو أمام قبر “راحيل”، واذا لم نُزيّن جباهنا بنجمة داود ليظهر “الحاخامات” بافكاك الضباع المولعة بنبش القبور شهوةً للحوم بنى يعرب خصوصاً وبني آدم عموماً، وب”أفكار” الضباع المفجوعة الشرهة والجبانة – ليظهروا في أقاصي مدن العرب وحتى في مداخل القصور ومخارجها!
ولكم رجوتكم أن تَمَثّلوا النفحات الملكوتية في الترنيمة الملائكية لتتأملوا عاشوراء في اللوحة الزينبية: “ما رأيت الا جميلا”!
فرغم ذلك، لن تستتب الأوضاع للإمبراطورية الأمريكية بسهولة وما لجوء ترامب إلى المجازر بالغارات والغزوات الا رد فعل على تهاوي هيمنة الولايات المتحدة الامر الذي يعد بمزيد من الانحدار نحو الفوضى؛ ترقّبوا وراقبوا محاولات كسر الهيمنة الامريكية من خلال المناورات العسكرية الصينية الروسية الايرانية في جنوب افريقيا ضمن إطار البريكس، الى جانب التحركات السعودية والباكستانية و التركية! ومن المتوقع ان تنهض المقاومة الشعبية ضد البلطجة الامريكية واستنزاف ثروات البلاد من جديد مستلهمة تراث القائد سيمون بوليفار، “محرِّر” القارة اللاتينية، في أوائل القرن التاسع عشر، سواء في فنزويلا أو في أمريكا ذاتها استل هاما لصمود غزة واليمن كما كوريا الشمالية وإيران والصومال .. المقاومة مستمرة وفلسطين هي البوصلة وإسرائيل حتماً الى زوال!
وتصوروا ان نافذة إخبارية ليبرالية مثل اللوموند الفرنسية تشكو الآن بلغة شبه ماركسية عن “عودة الإمبريالية الأمريكية المفترسة”!
“ما رأيت الا جميلا”:
الله (ﷻ) هو المقاوم الاول بحسنى أسمائه وكمال افعاله وله كتائبه وحزبه وانصاره ..
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..
سلام الأقصى والمهد والقيامة والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إكبار وتوقير لغزة واهلها – نصركم دائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..
*كاتب أردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …