أ. د / عبدالعزيز صالح بن حَبتُور
رحلَ البرُفيسُور / الطَّبِيبُ/ أحمد بن سالم بن يسلم الجرباء البابكري عن عالمِنا العابرِ اللحظِيِّ في يومِ الأربعاءِ الحزينِ بتاريخ 28/ يناير/ 2026م إلى عالمِ الخُلودِ الأبديِّ.
رحلَ عنَّا هذا المُعلِّمُ المُثقَّفُ الجميلُ في لحظاتٍ حزينةٍ مُؤلمةٍ فاجعةٍ، تاركاً خلفَهُ إرثًا وتُراثًا مُتراكمًا مِنَ العطاءِ السَّخيِّ والتَّجربةِ الثَّريةِ والأخلاقِ الرَّفيعةِ، طيلةَ عُمرِهِ المُمتدِّ قرابةَ سبعةِ عُقودٍ.
رحلَ عنَّا هذا الأكاديميُّ والمُثقَّفُ المِعطاءُ السَّخيُّ في لحظاتِ شُحِّ وبُخلِ الزَّمنِ الجافِّ، والجميعُ ممَّن عرفَه، وكانَ قريباً منه مازالَ في أمسِّ الحاجةِ إلى بقائِهِ ومشورتِهِ وعقلِهِ الرَّاجحِ الوازنِ. إنَّهُ الدُّكتُور أحمد الجرباء ، يا زملاءَنا الكِرامَ وأصدقاءَنا الرائعينَ. إنَّ مَن خسرناهُ اليومَ وفي هَذِهِ اللحظاتِ الحرجةِ جدًّا من زمنِنا العصيبِ، إنسانٌ استثنائيٌّ بكُلِّ ما تعنيه الكلمةُ وصدقُ مضامينِها.
نعم، نعم، نعم، وأكرِّرُها مرارًا بأنَّنا قد خسرناهُ خسارةً فادِحةً لن تُعوَّضَ مُطلقًا. خسرناهُ جسدًا فحسبُ كأصدقاءَ، وأقاربَ، وطُلابٍ، وزُملاءَ في العملِ والدِّراسةِ، والمُجتمعُ المُحيطُ به قد خسرَهُ تمامًا. نعم، خسرناهُ في زمنِ حربِ العُدوانِ السُّعوديّ الإماراتيّ الصُّهيونيّ الأمريكيّ عَلَى اليمنِ العظيمِ، ولذلك لم نستطعِ القيامَ بالواجبِ الإنسانيِّ الأخويِّ في وداعِهِ اللائقِ وحُضُورِ مراسمِ الوداعِ الحزينِ لتوديعِ الأصدقاءِ في وداعِهِم الأبديِّ من هَذِهِ الدُّنيا الفانيةِ.
تعودُ معرفتِي الشَّخصيَّةُ بالصَّديقِ والأخِّ المرحُومِ خالدِ السِّفْر والذِّكرِ البرُفيسُور / أحمد الجرباء – رحمةُ الله عليه – إلى زمنِ الطُّفولةِ المُبكِّرةِ في العامِ 1972م في مدينةِ نِصَاب، عاصمةِ الدَّولةِ العولقيَّةِ الحميريَّةِ العُليا (المُحافظةِ الرَّابعةِ، هي مُحافظةُ شبوةَ اليوم). التقينا حينَما قرَّرتِ السُّلطةُ المحليَّةُ بالمُحافظةِ أنْ يتمَّ تجمُّعُ جميعِ تلاميذِ وطُلابِ المُحافظةِ من شاطئِ بحرِ العربِ جنوبًا وحتّى تُخُومِ صحارى مدينةِ بيحانَ القصابِ شمالًا، لأسبابٍ قيِلَ إنَّها شُحُّ الإمكاناتِ من نقصِ المُعلِّمينَ والأبنيةِ المدرسيَّةِ، أو أنَّ السَّببَ الأهمَّ هو وضعُ هَذِهِ الكُتلةِ البشريَّةِ الحيويَّةِ تحتَ المجهرِ السِّياسيِّ والأمنيِّ للسُّلطةِ المحليَّةِ يومَها.
وقد كُنَّا مجمُوعةً مِنَ التَّلاميذِ المُتحفِّزينَ النُّشطاءِ للعملِ النقابيِّ الطلابيِّ والشَّبابيِّ من جميعِ مُديريَّاتِ المُحافظةِ، وكان في طليعتِنا الطَّالبُ النَّجيبُ الألمعيُّ المُتألقُ الذكيُّ/ أحمد سالم الجرباء . يومَها رُشِّحَ، وأُنتُخِبَ رئيسًا للاتحادِ الوطنيِّ للطلابِ اليمنيينَ فرعِ المُحافظةِ، وقادَ العملَ النقابيَّ بكفاءةٍ واقتدارٍ مع عددٍ من زُملائِنا الطلابِ.
وكوني والصَّديقَ أحمد الجرباء ننتمي إلى منطقةٍ واحدةٍ وهي منطقةُ وادِي حبَّان (بلدياتي كما يقولون)، تجذَّرتِ العلاقاتُ الأخويَّةُ الرِّفاقيَّةُ، وتزاملنا مُنذ قُرابةِ خمسةِ عُقودٍ، ولم نفترقْ إلّا في مرحلةِ دراساتِنا الجامعيَّةِ العُليا؛ حيثُ أمضى هو فترةَ دراستِه في جُمهوريَّةِ السُّودانِ، وأنا في جُمهوريَّةِ ألمانيا. ما عدا ذلك، كنَّا نلتقي ونتبادلُ الزياراتِ باستمرارٍ، والفِراقُ الأخيرُ بينَنا كان في زمنِ العُدوانِ السُّعوديّ الإماراتيّ، بعدَ أن غادرتُ مدينةَ عدن صوبَ العاصمةِ صَنعَاءَ .
مَن عرفَ وتعاملَ وعايشَ صديقَنا البرُفيسُور / أحمد سالم الجرباء عن قُربٍ يُدركُ الخِصالَ الحميدةَ التي امتازَ بها، وتعاملَ مع الآخرين بها، وحجمَ وكميَّةَ المخزُونِ الهائلِ مِنَ الذَّكاءِ الفِطريّ والعِلميّ والثقافيّ. لا أبالغُ في وصفِهِ ولم أسردْ قطّ قصصًا من خيالاتِ إنسانٍ مُحبٍّ تأثّرَ كثيرًا من هَولِ الصَّدمةِ. لا، لا، فالموتُ حقٌّ إلهيٌّ علينا جميعًا، لكنَّ اللهَ شاهدٌ أنّي أودُّ أن أنقلَ بصدقٍ للقارئِ اللبيبِ ماذا يُمثِّلُ غيابُ، وخسارةُ البرُفيسُور أحمد الجرباء على المُجتمعِ اليمنيِّ كلِّه، وينطبقُ عليهِ قولُ شاعرِنا الكبيرِ أحمد بن حيدره بن حَبتُور:
“بعضُ العربِ ما يستخي للموتِ، في ذمتك يالموت خله * * * ما با على ذي يلحقون الفوت، والخام لا شله يشله.”
امتاز صديقُنا الغالي/ الجرباء بعددٍ واسعٍِ وهائلٍ مِنَ الخِصالِ الحميدةِ، والصِّفاتِ النَّادرةِ مُنذ كُنَّا تلاميذَ وطُلابًا في مراحلِ دراساتِنا الإعداديَّةِ والثانويَّةِ مُرورًا بمرحلةِ عُنفوانِ الشَّبابِ الثوريِّ في زمنِ المُراهقةِ السِّياسيَّةِ اليساريَّةِ المُتطرّفةِ، وصُولًا تدريجيًّا إلى مرحلةِ النُّضوجِ الزَّمنيِّ الطبيعيِّ.
أوّلًا:
يتذكَّرُ جميعُ الزُّملاءِ الذينَ عاشوا مرحلتَنا الدِّراسيَّةَ المُبكِّرةَ في مطلعِ سبعينيَّاتِ القرنِ العشرين، أنَّ فقيدَنا الغاليَ/ أحمد سالم كان ألمعَ وأشجعَ وأذكى طالبٍ في قيادتِهِ مجموعتِنا النقابيَّةَ الطّلابيَّةَ، واستمرَّ في تلكَ الحالةِ الذِّهنيَّةِ المُتوقِّدةِ حَتَّى المرحلةِ الجامعيَّةِ، وحينَما ينتصِبُ شامِخًا كالطَّودِ في منصةِ الخطابةِ السِّياسيَّةِ في المدرسةِ الإعداديّةِ نصاب، ويلقي علينا خطابَهُ الشَّفاهيَّ الحماسيَّ، يستمرُّ لأكثرَ من ساعةٍ ونصفٍ دونَ أن يتوقَّفَ حَتَّى ى لالتقاطِ أنفاسِهِ. وهذه ظاهرةٌ فريدةٌ وخاصَّةٌ به دُونَ سِواه.
ثانيًا:
حينَما يترأسُ أيَّ اجتماعٍ طُلابيٍّ نقابيٍّ تنظيميٍّ، كانَ يضبطُ حُدودَ الزَّمانِ ومُحتوى الموضُوعاتِ والوقتَ المُتاحَ لأيِّ موضُوعٍ مطرُوحٍ للنِّقاشِ، والمُجادلةِ، والحِوارِ، والخُرُوجِ بالنتائجِ المرجوَّةِ.
ثالثًا:
حينَما رأسَ وفدَ الشَّبابِ والطّلابِ والطّالباتِ في العامِ 1973م مِنَ المُحافظةِ إلى العاصمةِ عدن، وبعدَها إلى برلينَ عاصمةِ جُمهوريَّةِ ألمانيا الدِّيمقراطيَّة، كانَ من بينِ القياديينَ الناجحينَ الذينَ أشارتْ إليهمُ التَّقاريرُ المرفُوعةُ يومَها إلى الجهاتِ الحُكوميَّةِ والحزبيَّةِ والتنظيميَّةِ، وتردَّدَ ذلكَ في مُعظمِ وسائلِ الإعلامِ الرَّسميَّةِ يومَذاكَ .
رابعًا:
التحقَ الفقيدُ كطالبٍ مِثاليٍّ بكُليَّةِ الطبِّ البشريِّ لمُدَّةِ سبع سنواتٍ عِجافٍ، وتخرَّجَ منها بدرجاتٍ مُشرِّفةٍ تُؤهِّلهُ لأن يكونَ مُعيدًا، ومُحاضرًا بالكليَّة، وتحمَّلَ أثناءَ دراستِه مسؤوليَّةَ قيادةِ العملِ التنظيميّ الحزبيّ للحزبِ الاشتراكيّ اليمنيّ في الكليَّة، وكانتْ فترتُه من أنصعِ الفتراتِ في العملِ الحزبيّ التنظيميّ كما أشارتِ التقاريرُ السَّنويَّةُ.
خامسًا:
بعدَ تخرُّجِه بعامٍ واحدٍ في العامِ 1982م، عُيّنَ بقرارٍ وزاريٍّ من وزيرِ الصَّحَّةِ العامَّةِ لإدارةِ مُستشفى الجُمهوريَّةِ التعليميِّ، وهو أكبرُ مُستشفًى تعليميٍّ تطبيبيٍّ في اليمنِ الدِّيمقراطيَّةِ سابقًا، وأثبتَ كفاءةً إداريَّةً تنظيميَّةً حازمةً في الإدارة، ولولا حدوثُ كارثةِ يناير المشؤومةِ كان قد ترقّى إلى مواقعَ أعلى في الحقلِ الصّحيِّ.
سادسًا:
في العامِ 1986م، وحينَما حلَّتْ كارثةُ 13 يناير على اليمنيين، كان مُسافرًا في رحلةِ عملٍ بالخارجِ في مُهمَّةٍ رسميَّةٍ، ولم يتمكَّنْ حينَها من العودةِ إلى عدن نتيجةً للموقفِ العِدائيِّ السَّلبيِّ منه، ومن غيره من جماعةِ “الزُّمرة” كما سُمِّيتْ يومَها مجمُوعةُ الرَّئيسِ/ علي ناصر مُحمَّد . فقد قرَّرَ العودةَ إلى صَنعَاءَ ، وهناكَ افتتحَ له عيادةً طبيَّةً خاصَّةً للعملِ الحُرِّ، وهناكَ مجمُوعةٌ مِنَ الزُّملاءِ فتحوا أيضًا عياداتٍ طبيَّةً خاصَّةً؛ لكي لا يعتمدوا في العيش على ما تجودُ به كواليسُ السِّياسةِ فحسب. ومن خلال عيادتِهِ كوَّنَ علاقاتٍ واسِعةً وقويَّةً مع المُجتمعِ اليمنيِّ الصَّنعانيِّ، وبقيَّةِ المُحافظاتِ اليمنيَّةِ .
سابعًا:
حينَما كُلِّفَ بقيادةِ، وإدارةِ المعهدِ العالي للدُّكتُور/ أمين ناشر للعُلومِ الطبيَّةِ من العامِ 1999م حَتَّى العامِ 2011م، أثبتَ كفاءةً عاليةً في إدارةِ المعهد، وتخرَّجَ منه العديدُ مِنَ الكفاءاتِ الطّبيةِ على مُستوى الجُمهوريَّةِ اليمنيَّةِ كلِّها.
وفي إطار نشرِ التَّعليمِ الجامعيِّ على مُستوى المُحافظاتِ في ظلِّ قرارِ توسيعِ التعليمِ، ونشرِه في رُبوعِ اليمنِ العظيمِ، كُلِّفتْ لجانٌ تحضيريةٌ علميةٌ أكاديميةٌ للتحضيرِ لفتحِ جامعاتٍ حكوميَّةٍ في كلٍّ من م/ لحج، م/ الضَّالع، م/ أبين، م/ شبوة. فقد اختِيرَ عَلَى رأسِ اللجنةِ التحضيريَّة؛ لافتتاحِ جامعةِ شبوة، وهو البرُفيسُور / أحمد سالم الجرباء البابكري – رحمهُ اللهُ وأسكنهُ فسيحَ جنَّاتِه.
الخُلاصة:
ــــــــــــــــــــ
لقد خسرتِ الجُمهوريَّةُ اليمنيةُ كلُّها واحدًا من أفضلِ وأعظمِ كوادرها الطبيَّةِ والسِّياسيَّةِ والثقافيَّةِ والإنسانيَّةِ، وخسرتْ مدينةُ عدن، وجامعةُ عدن واحدًا من أهمِّ رُموزِها العِلميَّةِ والتاريخيَّةِ، وخسرتْ مدينةُ حبَّانَ، وشبوةَ واحدًا من أعظمِ أبطالِها العِصاميينَ.
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم:
((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي))..صدقَ اللهُ العظيم.
“وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيْمٌ”
/ عُضو المجلسِ السِّياسيّ الأعلى في الجُمهوريَّةِ اليمنيَّةِ / صنعاء
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر