الأربعاء , فبراير 11 2026
الرئيسية / اراء / ملف ابستين..لماذا ضجّت بريطانيا وصمتت فرنسا؟

ملف ابستين..لماذا ضجّت بريطانيا وصمتت فرنسا؟

سارة محمد مرزوڨي*
لم تكن قضية جيفري إبستين، منذ ظهورها إلى العلن، مجرد واقعة جنائية تتعلق بالاتجار الجنسي واستغلال القاصرات، بقدر ما تحولت إلى مرآة كاشفة لاختلاف عميق في أساليب إدارة السلطة داخل الدول الغربية. فالقضية التي أحدثت زلزالًا سياسيًا وإعلاميًا في الولايات المتحدة وبريطانيا، وأحرجت مؤسسات سيادية ورمزية، بدت في فرنسا أقل حضورًا، إن لم تكن شبه غائبة، رغم ثقلها التاريخي وموقعها المحوري داخل المنظومة الغربية.
هذا التباين لا يمكن تفسيره بمنطق التورط أو البراءة، ولا باختزال القضية في بعدها الأخلاقي، بل يستدعي قراءة سياسية أعمق تتعلق بطبيعة ما يُعرف بـ«الدولة العميقة»، وباختلاف أدواتها من دولة إلى أخرى.
في الحالة البريطانية، سرعان ما ارتبط ملف إبستين بدوائر قريبة من قلب النظام الرمزي، مع تلميحات مست العائلة المالكة وشخصيات نافذة. الإعلام البريطاني، المعروف بتاريخ طويل من كسر المحرمات وملاحقة السلطة، تعامل مع القضية باعتبارها شأنًا عامًا بامتياز. تحولت الفضيحة إلى ساحة صراع مفتوحة بين الصحافة، والقضاء، والرأي العام، حيث يُستخدم الكشف الإعلامي كأداة لإعادة ضبط التوازنات داخل النخبة الحاكمة.

في هذا السياق، تصبح الفضيحة جزءًا من آلية الحكم نفسها: تُكشف، تُدار، ثم يُتحكم في نتائجها السياسية.
على النقيض من ذلك، اختارت فرنسا مسارًا مختلفًا تمامًا. فالدولة الفرنسية، بحكم تقاليدها الإدارية والسياسية، لا تميل إلى إدارة الأزمات عبر التفجير الإعلامي، بل عبر الاحتواء الصامت. الثقافة السياسية الفرنسية تفصل، ولو ضمنيًا، بين السلوك الشخصي للنخب وبين استمرارية الدولة ووظائفها العليا. ولهذا لم يتحول ذكر أسماء فرنسية في محيط ملف إبستين إلى قضايا رأي عام، ولم تُفتح لجان تحقيق برلمانية، ولم تُخض معارك إعلامية طويلة النفس.
اللافت أن الأسماء الفرنسية التي وردت في سياق الملف بقيت، في مجملها، ضمن دوائر ثقافية أو اجتماعية، بعيدة عن مراكز القرار الصلبة. وهو ما يعكس نمطًا راسخًا في إدارة النفوذ داخل فرنسا، حيث يُحاط قلب السلطة بحواجز غير مرئية، وتُدار المخاطر قبل أن تتحول إلى تهديد سياسي مباشر.
الفرق الجوهري هنا لا يتعلق بغياب شبكات النفوذ أو حضورها، بل بأسلوب التعامل معها. ففي العالم الأنغلوساكسوني، تُدار الأزمات عبر كشفها ثم احتوائها. أما في فرنسا، فتُدار الأزمات عبر منعها من التحول إلى أزمات أصلًا. الصمت، في هذا السياق، ليس علامة ضعف، بل خيارًا سياسيًا محسوبًا.
من هذه الزاوية، يصبح ملف إبستين أقل ارتباطًا بسؤال الأخلاق، وأكثر اتصالًا بفهم آليات الحكم الحديثة في الغرب. لقد كشف الملف كيف تختلف الدول في حماية أنظمتها حين يأتي الخطر من داخل النخب نفسها. بريطانيا اختارت المواجهة العلنية، بكل ما تحمله من ضجيج وكلفة سياسية. فرنسا اختارت الصمت المنضبط، بكل ما يحمله من غموض واستمرارية.
وفي الحالتين، لم تكن الحقيقة هي الهدف النهائي بقدر ما كان الهدف هو الحفاظ على تماسك النظام، كلٌّ وفق أدواته وتقاليده السياسية.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الى أمين العاصمة الدكتور عباد.. حتى بائع مخلفات البلاستيك شلوا ضماره!!

  بقلم/ احمد الشاوش* مشاهد يومية حزينة ابطالها رجال وأعفاط البلدية في مديرية التحريرالذين لم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *