د. سيامند مزوري*
لم يعد تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية لعام 2026 مجرد إرجاء لإجراء برلماني، بل أضحى اختباراً حقيقيًا لمدى احترام القوى السياسية العراقية لفلسفة دستور 2005 وروحه الملزمة؛ فقد رسمت المواد (67–76) بوضوح موقع رئيس الجمهورية في الهيكل الدستوري، إذ نصت المادة (67) على كونه رمزاً لوحدة الوطن وضامناً للالتزام بالنصوص الدستورية، وحددت المادة (70) آلية انتخابه بأغلبية الثلثين، بينما جعلت المادة (76) من هذا الانتخاب مدخلاً حصرياً لتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء، وهذا يعني أن تعطيل انتخاب الرئيس لا يتوقف عند حدود المنصب ذاته، بل يمتد ليشلّ الدورة الدستورية الكاملة لتشكيل السلطة التنفيذية. وعلى الرغم من أن الدستور لم يضع جزاءً صريحاً على التأخير، إلا أن غياب العقوبة النصية لا يلغي الإلزام الدستوري، فمبدأ انتظام عمل السلطات واستمرارية المؤسسات يُعد من المبادئ الراسخة التي لا تحتاج إلى نص تفصيلي لإثباتها.
وبالإضافة إلى أهمية حسم الاستحقاق الرئاسي، تنص المادة (73) من الدستور على صلاحيات جوهرية لرئيس الجمهورية، تشمل إصدار العفو الخاص بتوصية رئيس مجلس الوزراء، والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية والقوانين، ودعوة البرلمان المنتخب للانعقاد، فضلاً عن قبول السفراء وإصدار المراسيم الجمهورية والمصادقة على أحكام الإعدام، وممارسة مهام القيادة العليا للقوات المسلحة لأغراض تشريفية واحتفالية.
إن استمرار حالة التسويف يخلّف آثاراً سلبية ملموسة على الصعيد الداخلي، أبرزها إطالة أمد الفراغ المؤسسي، وإرباك المشهد الحكومي، وإضعاف ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية، وتحويل النص الدستوري إلى أداة ضغط تفاوضي عبر تعطيل النصاب، كما أن التأجيل المطول يرسل رسائل سلبية إلى المجتمع الدولي حول قدرة المؤسسات العراقية على احترام استحقاقاتها، ما يؤثر على العلاقات الخارجية والاستثمار السياسي والاقتصادي. وفي المقابل، فإن الإسراع في حسم هذا الاستحقاق يعيد تفعيل المسار الدستوري الطبيعي، ويسرّع تكليف رئيس الوزراء، ويعزز صورة الدولة بوصفها ملتزمة بالقانون، ويرسخ مبدأ التداول السلمي للسلطة ويمنع تحول التعطيل إلى عرف سياسي مقبول.
ومن الناحية السياسية، جرى العرف المستقر منذ عام 2005 على إسناد رئاسة الجمهورية للمكون الكردي ضمن معادلة التوازنات الوطنية، وبالاستناد إلى نتائج الانتخابات الأخيرة، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بوصفه الكتلة الكردية الأكبر تمثيلاً، يمتلك أولوية منطقية في ترشيح الرئيس وفق معايير الأغلبية والشرعية الانتخابية، فيما يظل الاتحاد الوطني الكردستاني طرفاً تفاوضياً مهماً داخل البيت الكردي، وهو ما جعل غياب التوافق داخل الإقليم وعدم اكتمال ملامح حكومته ينعكس مباشرة على الاستحقاق الاتحادي، ليتحول المنصب إلى امتداد لأزمة داخلية في الإقليم أكثر من كونه مجرد خلاف دستوري في بغداد.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للمحكمة الاتحادية العليا بصفتها الجهة المختصة بتفسير الدستور والرقابة على سلامة الإجراءات، إذ يظل من حق الأطراف السياسية طلب التفسير بشأن مدى إلزام مجلس النواب بعقد جلسة الانتخاب ضمن سقف زمني معقول؛ وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الدكتور فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، لتؤكد ضرورة الالتزام بالمدد الدستورية، محذراً من أن أي تجاوز لها قد يهدد الاستقرار السياسي، ومشدداً على أن معالجة الانسداد لا تقتصر على التوافقات الحزبية، بل يجب أن تمر عبر آليات دستورية وقضائية تحمي النص وروحه معاً.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد خرق شكلي، بل هو تعطيل سياسي لواجب دستوري لا يمكن تبريره، فالدستور لا يُقاس بحرفية نصوصه فحسب، بل بمقاصده في ضمان استقرار الدولة؛ لذا نناشد الأحزاب الكردية بالجلوس إلى طاولة الحوار للتوصل إلى اتفاق حول مرشح لرئاسة الجمهورية يمثل شخصية وطنية جامعة، تستلهم إرث شخصية “مام جلال” القادرة على إعادة هيبة الرئاسة، إن هذا الالتزام يعكس احترام إرادة الشعب الذي هو مصدر السلطات فضلاً عن ذلك احتراما لأصوات الناخبين كما ويكتسب أهمية قصوى في ظل الأزمات الحساسة التي تشهدها المنطقة، فالتوافق على مرشح يوحد الصفوف سيعزز الثقة بالدولة ويؤكد أن العملية الديمقراطية هي جوهر يحمي استقرار البلاد وليست مجرد إجراءات شكلية.
*كاتب واكاديمي عراقي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر