الإثنين , فبراير 16 2026
الرئيسية / اراء / ما بعد ابستين!

ما بعد ابستين!

عدنان نصّار*
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرّد ملف جنائي لرجلٍ ثريّ استغل نفوذه في ارتكاب جرائم مروّعة.
كانت اختبارًا أخلاقيًا عميقًا لمنظومة كاملة: السياسة، المال، الإعلام، وحتى العدالة نفسها.
في كل مرة يعود فيها هذا الملف إلى الواجهة، يتضح أن السؤال الأهم لم يكن يومًا: ماذا فعل إبستين؟

بل: كيف استطاع أن يفعل ذلك لسنوات طويلة؟ ومن الذي فتح له الأبواب؟ ومن الذي أغلق عينيه؟
-صفقة 2008… حين تفاوض النفوذ مع القانون
في عام 2008، أُبرمت صفقة قضائية مخففة في الولايات المتحدة، جنّبت المتهم ملاحقات فيدرالية أكثر صرامة.
لم يكن الأمر مجرد إجراء قانوني تقني، بل لحظة كشفت هشاشة التوازن بين العدالة والنفوذ.
حين يملك المتهم شبكة علاقات واسعة ومحامين نافذين، يصبح القانون قابلاً للتأويل، والعقوبة قابلة للتخفيف، والضحايا قابلين للنسيان.
وعندما أُعيد توقيفه عام 2019 في نيويورك، بدا وكأن العدالة تحاول تصحيح خطأ قديم. لكن السنوات التي سبقت ذلك لم تكن فراغًا زمنيًا؛ كانت زمنًا ضاعت فيه حقوق، وتراكمت فيه الشكوك، وتعززت فيه ثقافة الإفلات من العقاب.
-الشبكات… الحصانة غير المعلنة
الأنظمة الحديثة لا تُدار بالأفراد وحدهم، بل بالشبكات.
شبكات مصالح، علاقات، دعوات مغلقة، وصور رسمية.
لم يكن إبستين مسؤولًا منتخبًا، لكنه كان حاضرًا في دوائر القرار، ومحيطًا بشخصيات نافذة في السياسة والاقتصاد.
بعض هؤلاء نفى علمه بالجرائم، وبعضهم قال إن العلاقة كانت عابرة.
قد يكون ذلك صحيحًا من الناحية القانونية.
لكن السؤال الأخلاقي أعمق من القانون:
كيف يتحرك شخص تحيط به شبهات متكررة داخل النخبة دون مساءلة مبكرة؟
وهل يكفي القول “لم نكن نعلم” لتبرئة الضمير العام؟
الصمت، في مثل هذه القضايا، ليس حيادًا.
إنه موقف.
-الإعلام بين الكشف وصناعة الصورة
قبل أن يتحول الملف إلى فضيحة عالمية، كانت بعض التغطيات الإعلامية تتعامل مع الرجل بوصفه “ممولًا غامضًا” أو “رجل علاقات دولية”.
الهالة الإعلامية ليست تفصيلًا؛ إنها جزء من الحصانة الاجتماعية.
الإعلام الذي ينجذب إلى بريق الثروة ويتردد في طرح الأسئلة الصعبة، يساهم — ولو دون قصد — في بناء جدار حماية حول أصحاب النفوذ.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال دور الصحافة الاستقصائية التي أعادت فتح الملف وأعادت الاعتبار لصوت الضحايا. وهنا يظهر الفارق بين إعلام يلاحق الصورة، وصحافة تلاحق الحقيقة.
-الضحايا… مركز القضية لا هامشها
في قلب هذا الملف ليست الطائرات الخاصة ولا القصور الفاخرة، بل فتيات قاصرات تم استغلالهن في شبكة منظمة.
القضية ليست فضيحة نخبوية، بل جريمة بحق إنسان ضعيف.
العدالة هنا لا تعني حكمًا قضائيًا فحسب، بل اعترافًا صريحًا بأن النفوذ لا يمنح حصانة أخلاقية، وأن المال لا يشتري الصمت إلى الأبد.
-ما الذي تعلّمناه؟
قضية إبستين لم تكشف فقط انحراف فرد، بل كشفت هشاشة منظومة حين تواجه شبكة مصالح معقدة.
هي مرآة تضع أمام المجتمعات الحديثة أسئلة ثقيلة:
هل العدالة متساوية فعلًا؟
هل العلاقات أقوى من القوانين؟
وهل تملك النخب شجاعة مساءلة نفسها قبل أن تُساءَل؟
الملفات قد تُغلق قانونيًا، لكن الأسئلة الأخلاقية لا تسقط بالتقادم.
العدالة قد تتأخر، لكنها لا تفقد معناها ما دام هناك من يكتب، ويسأل، ويرفض أن يكون شريكًا في الصمت..الصمت في موقف كهذا هو إنحياز لموت الضمير الإنساني.
*كاتب وصحفي اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

اليمن بين الرياض وأبوظبي!

د.علي أحمد الديلمي* اليمن لم يعد فقط ساحة صراع بين ايران والولايات المتحدة واسرائيل بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *