فاطمة الغزال*
مع إطلالة شهر رمضان المبارك، نستشعر نفحات إيمانية خاصة، وندرك أننا أمام موسم استثنائي تتجدد فيه الروح قبل أن تتغير فيه المواعيد والعادات، رمضان ليس شهر أطباق متنوعة وصور تُنشر على عجل، بل شهر عبادة وتزكية، شهر يُعيد ترتيب أولوياتنا ويذكرنا بأن الغاية أسمى من المظاهر.
الصيام مدرسة أخلاقية قبل أن يكون امتناعًا عن الطعام والشراب، هو تدريب يومي على الصبر، وضبط النفس، والشعور بالآخرين، لذلك من المؤسف أن يتحول عند البعض إلى سباق في إعداد الموائد، وكأن قيمة الشهر تُقاس بعدد الأصناف لا بعمق الخشوع.
الرسالة التربوية الأولى في رمضان هي أن نُحسن استثمار الوقت في الصلاة وقراءة القرآن وصلة الرحم، وألا نستهلك ساعاتنا في المطبخ بما يفوق الحاجة، فنفقد لذة التفرغ للعبادة.
والإسراف لا ينسجم مع روح الشهر، موائد عامرة تُرمى بقاياها في القمامة مشهد يتكرر كل عام، بينما هناك أسر لا تجد ما يسد رمقها، في ظل ما يشهده العالم من أزمات إنسانية في أماكن مثل غزة والسودان وغيرها، يصبح استحضار معاناة المحتاجين مسؤولية أخلاقية.
رمضان فرصة حقيقية لإحياء قيمة التكافل: أن نقلل من الكماليات، ونوجه الفائض للإنفاق والصدقات، ونحرص على تفقد الأسر المتعففة في محيطنا. فالإنفاق في هذا الشهر ليس عملًا ثانويًا، بل جوهر من جوهر رسالته.
بعد صيام يوم كامل، يحتاج الجسم إلى تعويض متدرج ومتوازن، لا إلى صدمة مفاجئة بأطعمة دهنية ومقلية بكثرة أو مشروبات مليئة بالسكر، من الحكمة أن نبدأ الإفطار بخيارات خفيفة ومغذية، وأن نحرص على وجود البروتينات والخضراوات والحبوب الكاملة، مع تقليل الحلويات الثقيلة التي ترهق المعدة وتؤثر في النشاط خلال صلاة التراويح.
كما يجدر بنا متابعة الإرشادات الصحية الصادرة عن الجهات الطبية الموثوقة، والاطلاع على النشرات التوعوية التي تركز على أساليب التغذية السليمة في رمضان، حتى نجمع بين الأجر والصحة.
رمضان لا يدعونا إلى الحرمان ولا إلى المبالغة، بل إلى الاعتدال، أن نأكل لنقوى على الطاعة، لا أن ننشغل بالطعام عن الطاعة. أن نُقدّر النعمة، لا أن نُفرط فيها. وأن نتذكر دائمًا أن خلف كل وجبة بين أيدينا دعاء محتاج ينتظر من يستجيب له.
ولنحرص أن نبدأ إفطارنا بتمرة وكوب من أي نوع من الألبان أو أكلة خفيفة كما جاء في السنة النبوية، وبعد تناول ثلاث حبات من التمر نؤدي صلاة المغرب، وبعدها نبدأ في تناول الوجبة الرئيسية الغذائية التي يحتاجها الجسم لأن الفترة ما بين تناول التمرات وقليل من البقوليات مثل (اللوبيا أو حبات الحمص المسلوكة) وتناول الوجبة الرئيسية يحتاج جسم الإنسان ليستوعب الوضع الجديد بعد صيام أكثر من 15 ساعة متواصلة خاصة أن المعدة كانت فارغة وبالتالي تنكمش عضلات المعدة وهذه السعرات الحرارية تعطي الفرصة لتمدد عضلات المعدة وتجويفها الداخلي وتهيئتها لاستقبال الأطعمة واستعدادها لبدء عملية الهضم، لذلك نشعر عند مفاجأتنا للمعدة بالأكل مباشرة تصيبنا بعض التقلصات وتعثر في عملية الهضم وأحياناً التقيؤ لعدم تهيئتنا لمعدتنا بالصورة الصحيحة والسليمة، تعودوا وعودوا أبناءكم على هذه الطريقة التي تعتبر هي المثالية للاستفادة من صيامنا.
كسرة أخيرة
بهذا الفهم، يتحول رمضان إلى محطة إصلاح حقيقية: نُهذّب فيها عاداتنا، ونُعيد فيها ترتيب علاقتنا بالطعام، وبالناس، وبالله. رمضان عبادة… فلنجعله كذلك.
*نقلا عن الشرق القطرية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر