ربى الحجلي*
الشرق الأوسط الذي عرفناه لم يسقط تدريجياً، بل جرى تمزيقه. القواعد التي كانت تضبط الإقليم كُسرت عمداً، والخطوط الحمراء دُفنت تحت وقع التصعيد، والتوازنات التي منعت الانفجار الشامل أُطيح بها بلا تردد.
ما يحدث اليوم ليس صداماً عابراً، بل لحظة انفلات تتصرف فيها القوى الكبرى بعنجهية من يعتقد أن الخرائط تُرسم بالقوة وحدها، وأن الإقليم مجرد ساحة اختبار مفتوحة. فالمنطقة لم تعد تُدار بمنطق الردع المتبادل بل بمنطق كسر الإرادات، حيث يُدفع الجميع إلى حافة الهاوية لاختبار من يتراجع أولاً. إنها مرحلة إعادة تشكيل قسرية يُعاد فيها رسم النفوذ تحت ضغط النار، لا تحت سقف التوازن ومظلة التفاهم.
المترقب للمشهد يدرك ان المنطقة لم تعد مجرد خرائط متجاورة أو نزاعات محدودة. ما يتشكل اليوم هو فضاء نفوذ متشابك تتداخل فيه الجبهات والساحات، وتذوب فيه الفواصل بين السياسي والعسكري والاقتصادي. القوى تتحرك كالقطع على رقعة شطرنج مفتوحة، كل خطوة تُعيد خلط موازين القوة، وكل تحالف قابل للانقلاب في لحظة. الحسابات التي صمدت لعقود فقدت صلاحيتها والنماذج القديمة لم تعد تفسر المشهد فضلاً عن ضبطه.
السعي الأميركي لفرض السلام بالقوة ليس استراتيجية، بل انفلات مطلق من كل قواعد اللعبة، حيث تُفرض القرارات بالقوة والسياسة، وتتحول المنطقة إلى حلبة متفجرة. التحالفات تتبدل كالقطع على رقعة متحركة بلا سقف، وكل أزمة صغيرة قابلة للانفجار.
القوة اليوم لم تعد تُقاس بالسلاح وحده، بل بالقدرة على رسم قواعد اللعبة في فضاء متغير، حيث كل قرار يشد خيوط النفوذ ويعيد تشكيل التوازنات بلا رحمة. الشرق الأوسط صار لوحة صلبة بلا خطوط حمراء ، كل تذبذب فيها يكشف هشاشة الحسابات القديمة ويعيد ترتيب التحالفات وفق مصالح فورية في عالم لا يعرف الاستقرار.
اليوم التالي للمعركة :
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بطبيعة التحول، بل بنتيجته المحتملة. كيف سيبدو وجه الشرق الأوسط إذا حُسمت المعركة لصالح أحد المحورين المتواجهين اليوم؟
إذا تمكنت إيران وحلفاؤها من فرض معادلة انتصار واضحة فإن المنطقة ستدخل مرحلة إعادة تعريف شاملة لقواعد الردع، وقد يترسخ نفوذ إقليمي ممتد عبر أكثر من ساحة، وتتكرس معادلات جديدة تفرض حسابات مختلفة على خصومها الإقليميين والدوليين.
غير أن هذا الانتصار لن يكون بلا كلفة : فتثبيت نفوذ واسع يعني تحمل أعباء أمنية واقتصادية وسياسية مضاعفة وقد يدفع الأطراف المقابلة إلى إعادة تنظيم صفوفها ضمن تحالفات أكثر صلابة، بما يعمّق الاستقطاب ويجعل المنطقة على حافة مواجهة مؤجلة لا منتهية.
في المقابل، إذا تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من تحقيق ما تسعيان إليه سواء عبر إضعاف إيران استراتيجياً أو الوصول إلى حد إسقاط النظام وما يمثله من مشروع إقليمي فإن المشهد لن يكون بالضرورة أكثر استقراراً.
إعادة تشكيل موازين القوة عبر كسر طرف رئيسي لا تعني تلقائياً ولادة توازن مستدام، بل قد تفتح فراغاً جيوسياسياً تتسابق القوى المختلفة لملئه.
تجارب المنطقة أظهرت أن تفكيك بنى قائمة لا يقود دائماً إلى نظام أكثر هدوءاً بل أحياناً إلى دورات صراع أكثر تعقيداً وأطول أمداً.
في كلا السيناريوهين، لا يبدو أن الشرق الأوسط مقبل على سلام مريح، بل على إعادة صياغة قاسية لمعادلات القوة، حيث قد يتحول الانتصار إلى عبء، والهزيمة إلى شرارة مرحلة أكثر اضطراباً.
ختاماً:
الشرق الأوسط الجديد لا يُعاد رسمه بالحبر، بل بالنار. ما يحدث اليوم ليس تصعيداً عابراً، بل لحظة مفصلية ستحدد شكل القوة والنفوذ لعقود مقبلة.
في واقع يتفلت من كل الخطوط الحمراء تصبح كل خطوة باباً قد لا يُغلق، وكل انتصار يحمل بذرة صراع جديد. الإقليم يدخل مرحلة لا مجال فيها للخطأ، لأن كلفة الخطأ هذه المرة لن تكون موضعية .. بل وجودية.
*كاتبة سورية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر